لم يعد خافياً على أحد أن النظام المصري لا يحكم الناس بالقهر الأمني وحده، بل يصوغ وعيهم عبر صناعة درامية موجهة، تُنتج رواية رسمية للأحداث، وتعيد تشكيل المفاهيم، وتزرع في العقول صورةً مشوهة عن الإسلام وحملته. فالدراما ليست ترفاً فنياً، بل أداة سياسية بامتياز، تستخدم لتلميع الاستبداد، وتبرير القبضة الحديدية، وتصوير كل من يحمل مشروعاً إسلامياً على أنه خطر داهم على المجتمع.
إن المعركة اليوم ليست فقط على لقمة العيش، ولا على الأسعار والديون، بل هي معركة مفاهيم. النظام يسعى إلى تكريس مفاهيم الدولة الوطنية القُطرية، والولاء لحدود صنعها الاستعمار، وتقديم الطاعة للحاكم على أنها قدر لا يرد، بينما يُقدَّم الإسلام باعتباره تهديداً للاستقرار إذا تدخل في الحكم والسياسة وشؤون الناس وعلاقاتهم ومعاملاتهم. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يجري اقتلاع الإسلام من كونه مبدأً شاملاً ينظم الحياة، ليُختزل في عبادات وشعائر فردية معزولة عن الحكم والسياسة والاقتصاد.
في كل موسم درامي، تتكرر الصورة ذاتها حيث يصور المتدين إما متطرف جاهل، أو انتهازي متلاعب، أو أداة في يد قوى خارجية. أما الأجهزة الأمنية فتظهر في هيئة المنقذ الحارس، الذي يضحي في سبيل الوطن، ولو على حساب الحقوق والدماء. وبهذه الثنائية المصطنعة، يعاد تشكيل وعي الأجيال؛ فينشأ الشاب وهو يربط بين الالتزام بالإسلام والعمل لإقامته وبين الفوضى والخراب.
لكن أهل مصر ليسوا جمهوراً بعيداً عن الأحداث التي يعاد إخراجها على الشاشات وفق هوى النظام. لقد عاشوا هذه الأحداث لحظةً بلحظة، ودفعوا ثمنها من دماء أبنائهم وكرامتهم وأرزاقهم. إنهم شهود عيان على ما جرى، يعرفون تفاصيله، ويدركون الفارق بين الحقيقة وما يعرض في المسلسلات من روايات منتقاة تخدم رواية النظام. ليسوا بحاجة إلى من يعيد تفسير ذاكرتهم لهم، ولا إلى من يلقنهم ما رأوه بأعينهم. إن وعيهم، وتجاربهم المباشرة، تكشف زيف السردية المصنوعة، وتظهر حجم التلاعب الذي يراد به طمس الحقائق وتبرئة الساسة من تبعاتها.
لكن الحقيقة التي يحاول النظام طمسها هي أن الإسلام ليس جماعات سرية ولا عنفاً أعمى، بل هو مشروع حضاري متكامل، له تصوره في الحكم والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية. إن تصوير حملة الدعوة على أنهم عملاء أو متآمرون هو امتداد لسياسة تجريم الإسلام السياسي، وتجفيف منابعه الفكرية، وإخضاع المجتمع لثقافة الخضوع للواقع الفاسد، وهم تماما كمن يريد أن يطفئ نور الشمس بنفخة من فمه! فالله متم نوره ولو كره السيسي وزبانيته.
وفي الوقت الذي تنفق فيه المليارات على المسلسلات، ترهن البلاد للديون، وتباع الأصول الاستراتيجية، وتفتح الأبواب أمام الهيمنة الغربية. التبعية الاقتصادية لم تعد سراً؛ فالاتفاقيات مع المؤسسات المالية الدولية تملِي سياسات تقشفية تثقل كاهل الناس، وتربط الاقتصاد المحلي بالمصالح الغربية. وهكذا يصبح القرار السياسي مرتهناً، ويختزل دور الدولة في تنفيذ إملاءات الغرب.
إن أخطر ما في الأمر أن هذه التبعية لا تقدم للناس على حقيقتها، بل تلبس ثوب "الإصلاح والإنقاذ"، بينما الحقيقة أنها تكريس لهيمنة الرأسمالية العالمية، التي ترى في مصر سوقاً وممراً ومجال نفوذ، وليس دولة مستقلة ذات رسالة. وتحت هذا الغطاء، تهمش الهوية الإسلامية، ويعاد تعريف الإسلام بما يتوافق مع الرؤية الغربية.
أما في السياسة الخارجية، فالمسار واضح: انحياز عملي للسياسات الأمريكية في المنطقة، والتماهي مع ترتيبات إقليمية تحفظ أمن كيان يهود الغاصب، ولو على حساب قضايا الأمة الكبرى. يطلب من الناس أن يصدقوا أن هذا هو "الواقعية السياسية"، بينما هو في حقيقته تفريط في ثوابت الأمة، وتقديم لمصالح الغرب على مصالح الأمة.
إن النظام عبر آلته الإعلامية لا يحارب مظاهر التدين فحسب، بل يحارب فكرة أن يكون للإسلام رأي في الحكم. يراد للإسلام أن يبقى في المساجد، بعيداً عن التشريع والسياسة. ويراد لحملة الدعوة أن يحاصروا بالتشويه والسجن والتضييق، حتى لا يبقى في الساحة إلا خطاب رسمي يبرر الواقع ولا يغيره.
غير أن الأمة ليست عاجزة، ففي وجدانها رصيد عقائدي عميق، يدرك أن الإسلام ليس مجرد هوية ثقافية، بل مبدأ ونمط عيش ومنهج حياة. إن الصراع اليوم هو بين مشروعين: مشروع استعماري يربط البلاد بالغرب، ويبقيها في دائرة نفوذه. ومشروع نهضة صحيحة يعيد السيادة للشرع، والسلطان للأمة، ويحرر القرار من الهيمنة الغربية.
يا أهل مصر الكنانة: إن ما يعرض على الشاشات ليس بريئاً، بل هو محاولة لإعادة تشكيل وعيكم، وصرفكم عن أصل الداء. فليست المشكلة في مظاهر التدين، ولا فيمن يدعو إلى تحكيم الإسلام، بل في نظام ﻻ يحكم بالإسلام ورهن البلاد للديون، وباع الأصول، وخضع لإملاءات الغرب، ثم أراد أن يقنعكم أن الخطر الحقيقي هو في هوية أمتكم، فلا تنخدعوا بزخرف القول.
يا أجناد الكنانة: إننا نذكركم بأن النظام مهما علا فإن الله أعلى، ومهما كان قويا فالله ذو القوة المتين، ومهما ملك من معتقلات وسجون ضيقة فإنها لن تكون أضيق من القبر الذي مآلكم إليه. وإذا كان لديه آلة قمع وحشية تعذب من يقع تحت سلطانها فلن تكون أشد من عذاب جهنم. ومهما ملك من مال ليعطيكم ويقربكم فإنها لا تساوي شيئا أمام جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
إن الملائكة تسجل، والله عز وجل حتما سيسألكم أين كنتم حين شُوّه الإسلام، وحوصرت دعوته، ورهنت البلاد؟ أين كنتم حينما وجب عليكم نصرة أهله وحملة دعوته، وإقامة الدولة التي تطبقه؟ إن الانحياز للأمة ليس خروجاً على الاستقرار، بل هو إعادة تعريف له على أساس العدل والسيادة للشرع، لا على أساس الخضوع للغرب وسياساته.
إن النظام قد يملك الشاشات، لكنه لا يملك القلوب إذا وعت. وقد يملك أدوات القمع، لكنه لا يملك المستقبل إذا حملت الأمة مشروعها بوعي وثبات. إن اللحظة تقتضي كشف الزيف، وفضح الخداع، والعمل لإعادة الإسلام إلى موقعه الطبيعي: قائداً للحياة، لا شاهداً عليها، في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
بقلم: الأستاذ محمود الليثي
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر






















رأيك في الموضوع