على الرغم من تغير المنفذين والوسائل على المسرح التاريخي فإن جوهر وأساليب الصراع بين الحق والباطل لم يتغيرا عملياً. وقد كان مشركو مكة يجتمعون في قاعة المجلس المسماة دار الندوة بالقرب من الكعبة المشرفة وخططوا لأكثر الخطط خبثاً ومكرا للقضاء على الدعوة الإسلامية وإضعاف المسلمين، وكسر إرادة رسول الله ﷺ. لم تكن دار الندوة مجرد مبنى بل كانت مركزاً لاتخاذ قرارات سياسية منهجية ضد الإسلام. اجتمع هناك زعماء قريش وخططوا لاغتيال رسول الله ﷺ والقضاء على دعوته تماماً. بناءً على اقتراح أبي جهل، اتفق المشركون على اختيار شاب قوي من كل قبيلة مسلح بسيف حاد وكان عليهم أن يهاجموا النبي ﷺ في وقت واحد ويقتلوه. كان الهدف الشرير من ذلك هو تعميم ثأر الدم بين جميع القبائل وضمان عدم تمكن بني هاشم من الثأر لمقتل رسول الله ﷺ. كانوا عازمين على خنق الإسلام في دار الندوة ووضع حد لمستقبله.
واليوم مشروع "مجلس السلام"، الذي يروج له ترامب والقوى الشريرة المحيطة به فيما يتعلق بفلسطين المباركة وغزتها، هو مظهر معاصر لعله لا يقل خطورة عن تلك المؤامرة التاريخية التي دبرها أصحاب دار الندوة. إن الغرض من "مجلس السلام" هو تحقيق الهدف القديم نفسه تحت ستار "السلام والازدهار" وهو تفريغ غزة من أهلها، وتحويلها إلى منطقة اقتصادية خاضعة لسيطرة أمريكا واستئصال الإرادة الإسلامية وروح العقيدة من خلال الفتنة الجماعية كما دُبّرت في دار الندوة.
تكمن وراء تصريحات ترامب الأخيرة التي تشيد بالإمكانات الاستراتيجية لغزة وتتحدث عن تحويلها إلى منتجع جميل - مثل الريفيرا الفرنسية - خطة لحرمان المسلمين من أرضهم المباركة وإقناعهم بالتخلي عن عقيدتهم عن طريق الخداع المادي.
وكما حاصر شيوخ دار الندوة المسلمين في شعب أبي طالب واختبروهم بالمجاعة ثم حاولوا إجبارهم على قبول شروطهم، فاليوم الجوع المفروض والقتل الجماعي الذي يمارس ضد أهل غزة هما سلاحان يستخدمان لإجبار المسلمين على الموافقة على مشروع "مجلس السلام" نفسه.
الأمر الأكثر حزناً وألماً هو أن دار الندوة اليوم لم تُبن في واشنطن فحسب بل أيضاً في قصور بعض حكام البلاد الإسلامية. مراكز الفتنة المشؤومة هذه تنتعش الآن في عواصم مثل القاهرة والرياض وأبو ظبي وعمان، ويقصد "مجلس السلام" مشاركة هؤلاء "الشيوخ" الإقليميين بالذات وفرض سيطرة أمريكا بأيديهم على غزة. في حين إن قادة هذه الدول ولا سيما النظام المصري تسعدهم خدمة كيان يهود بحصارهم غزة وخنقها، تخطط الإمارات والمغرب والبحرين لترأس الخطة لنزع سلاح غزة تحت ذريعة "التنمية الاقتصادية" وطرد المسلمين من أراضيهم، والمشاركة في اتفاقيات أبراهام.
إن المشاركة في مجلس سلام ترامب ودعم خطط الكفار لبيع غزة وإذلال المسلمين هو أقبح خيانة لله تعالى ولرسول الله ﷺ وللدماء الزكية التي أريقت في غزة. هذا ليس مجرد تحالف سياسي بل هو مشاركة للطغاة الذين يحاولون القضاء على الإسلام وإضفاء الشرعية على جرائمهم، قال الله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾.
إن المشاركة في هذا المجلس تعني بيع صرخات الأطفال المضطهدين والتنازل عن حقوق النساء اللواتي تعرضن للعنف وتسليم أراضي المسلمين المباركة كهدية لكيان يهود، وإن مغبة هذه الجريمة الكبرى لن يكون فقط صفحة ملعونة من التاريخ بل عذاباً أليماً عند الله يوم القيامة. اتفاقاتكم مع ورثة دار الندوة هي خنجر سام مغروز في جسد أمة الإسلام. وهذا يشبه خطة المشركين الذين أرادوا أن يأخذوا شاباً واحداً من كل قبيلة ليقتلوا النبي ﷺ معاً حتى يتقاسموا المسؤولية ولا يتمكن المسلمون من الانتقام من أحد. أنتم تحاولون قمع وخنق إرادة غزة بمثل هذا النوع من الخيانة الدولية الجماعية.
لكن التاريخ يشهد بأن مؤامرات دار الندوة لم تستطع كسر ثبات وصمود رسول الله ﷺ وصحبه الكرام وأن الله أعطى نبيه ﷺ مخرجاً من هذه المؤامرات ونصرة لبناء دولة الإسلام. وكذلك مشاريع مجالس السلام التي يروج لها اليوم ترامب والقادة العملاء محكوم عليها بالتحطّم أمام إرادة الأمة. فغزة ليست عقاراً للبيع، إنها رمز كرامة وعزة لأمة الإسلام. يجب أن نؤكد بوضوح أن الحل الوحيد لوقف الظلم في غزة وكل فلسطين ولحماية عرض وشرف المسلمين وتحطيم مجالس الفتن هو إقامة دولة الخلافة الراشدة! وإلى أن يتولى زعامة المسلمين الخليفة الذي يدافع عنهم ويخيف الكفار، ويقيم العدل وفق نظام الإسلام ستستمر مأساة غزة وستستمر دماء المسلمين في الانهمار. المسلمون لا يحتاجون إلى "السلام" الذي يرسمه المستعمرون بل إلى العدل الإلهي الحقيقي في ظل راية الخلافة التي ستنقذهم من دور الندوة المعاصرة والخونة الداخليين وتحمي أرضهم وشرفهم.
فليكن هذا التحذير الشديد من الله تعالى درساً لمن يشارك في مجالس الفتن هذه ويلعب بمصير الأمة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.
بقلم: الأستاذ صلاح الدين الأوزبيكي






















رأيك في الموضوع