في 24 شباط/فبراير 2026، ألقى ترامب خطاب حالة الاتحاد، وهو الأطول في تاريخ أمريكا، وهو خطاب رئيس الدولة الأولى في العالم في وقت اضطراب شديد داخلياً وخارجياً. ويبرز هذا الخطاب أربع حقائق مهمة للمسلمين:
الحقيقة الأولى: فشل الرأسمالية في خدمة الشعب الأمريكي، وأنها لا تملك ما تقدمه للبلاد الإسلامية في ظل اقتصاد مريض، حيث افتتح ترامب خطابه بادعاءات مضللة حول الاقتصاد والتضخم والبطالة، مدعياً أن إدارته خفّضت التضخم الأساسي، وأن "عدد العاملين اليوم هو الأعلى في تاريخ أمريكا". لكن مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي (مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي) يتجه للصعود من جديد، كما أن نسبة البطالة ارتفعت، وكان عام 2025 من أسوأ الأعوام منذ عقود، فيما الزيادة في عدد العاملين ترجع في معظمها لنمو السكان وليس لقوة الاقتصاد.
وتُظهر بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن 1% من الأسر امتلكت قرابة ثلث الثروة الأمريكية في الربع الثالث من عام 2025، بما يقارب 55 تريليون دولار، وهو ما يساوي تقريباً ثروة أدنى 90% من الأمريكيين مجتمعين. ولا يملك ترامب ولا النظام الرأسمالي حلاً لهذه الفجوة الهائلة في توزيع الثروة، لأن الرأسمالية في جوهرها تخدم نخبة أصحاب رؤوس المال لا عامة الناس. فليشهد المسلمون أن الرأسمالية الغربية قد فشلت في عقر دارها؛ فكيف يُرجى منها خلاصٌ لبلاد المسلمين، ولماذا يُفرض كفر الرأسمالية على المسلمين وقد قدّم الإسلام قروناً من الرخاء في ظل الخلافة؟
الحقيقة الثانية: "أمريكا أولاً" سياسة لنهب ومعاقبة بقية العالم، حيث أعلن ترامب صراحة أن الرسوم الجمركية التي يدفعها الأجانب يمكن أن تحل محل جزء كبير من ضريبة الدخل، لتخفيف العبء عن "الشعب الذي يحبّه"، وأن "تريليونات الدولارات ستستمر بالتدفق إلى الولايات المتحدة لأن لدينا أخيراً رئيساً يضع أمريكا أولاً". هذه السياسة تعني عملياً معاقبة القوى الأخرى، بما فيها الأوروبية، وتثير ضد أمريكا موجة سخط واسعة. ويضاف إلى ذلك نهب ثروات البلاد الإسلامية عبر عملاء الغرب، كما كان واضحاً في تعامله مع دول الخليج التي أنفقت من ثروة الأمة لدعم الاقتصاد الأمريكي. لذلك يجب أن يعلم المسلمون أنهم لا يعانون فقط من آثار الرأسمالية داخلياً، بل يتعرضون أيضاً لاستعمار اقتصادي يغرق بلادهم في الديون، لتسديد الربا للمؤسسات المالية الغربية، ويضخ ثروات الأمة في شرايين الاقتصاد الأمريكي باسم الاستثمارات، ويفتح أسواقهم ومواردهم الخام لشركات أمريكا لتهيمن عليها وتنهبها.
الحقيقة الثالثة: أمريكا مشلولة بصراع داخلي عميق، فقد أكد خطاب ترامب عمق الشقوق داخل الدولة الأمريكية، مع احتدام الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين، حيث حمّل الديمقراطيين مسؤولية الإغلاق وآثاره الاقتصادية، واتهمهم بالتسبب في نفاد المال. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، يواجه حزب ترامب وضعاً صعباً، لذا روّج لمشروع قانون "إنقاذ" لتشديد قوانين هوية الناخبين بدعوى منع الغش الواسع، وهو ما يضرب أساساً أصوات غير البيض التي يعتمد عليها الديمقراطيون. والحقيقة التي يجب أن يعلمها المسلمين هي أن أمريكا أكثر انقساماً وضعفاً من أي وقت مضى، ما يقلل قدرتها على إحكام قبضتها على البلاد الإسلامية، خاصة مع أزمتها الاقتصادية وإرهاق جيشها بعد حملاته المتواصلة في بلادنا. إن نافذة الخلاص من هيمنة أمريكا أوسع من السابق، لو أن جيوش الأمة أدّوا واجبهم الشرعي بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
الحقيقة الرابعة: سياسة أمريكا تجاه البلاد الإسلامية هي الإذلال والخسارة، حيث انتقل ترامب في خطابه إلى قضايا العالم، وذكر بلاداً إسلامية بالاسم، قائلاً إنه منع حرباً نووية بين باكستان والهند كان يمكن أن تقتل 35 مليوناً، وتحدث عن كوسوفو وصربيا، وكيان يهود وإيران، ومصر وإثيوبيا، وأرمينيا وأذربيجان، والكونغو ورواندا، ثم عن الحرب على غزة. وبخصوص إيران، شدد أنه لن يسمح أبداً لها بالحصول على سلاح نووي، ووصَفها بأنها "أكبر راعٍ للإرهاب في العالم"، في الوقت الذي يدعم فيه كيان يهود بكل قوة في حربه على غزة ولبنان وسوريا وغيرها. لذلك يجب على المسلمين أن يعُوا الأثر الكارثي لهذه السياسة على بلادهم، وحقيقة أن تدخلات ترامب في نزاع باكستان والهند لم تكن حرصاً على دماء المسلمين، بل لتقليل خسائر الهند ومنع تحرير كشمير من قبضة الهندوس. أما في غزة، فقد وفّر الغطاء السياسي والعسكري لكيان يهود في حرب الإبادة، ويسعى الآن إلى فرض تسويات تُبقي اليد العليا للعدو وتكبّل يد الأمة. كما أن رفضه امتلاك إيران للسلاح النووي يحمل في طيّاته استهداف القدرات النووية الباكستانية، التي يذكرها مراراً كهاجس استراتيجي.
أيها المسلمون، ويا أهل القوة والمنعة فيهم: إن خطاب ترامب يثبت فشل الرأسمالية، وظلم الاستعمار، والانقسام الداخلي الذي يُضعف أمريكا، وخطورة سياستها الخارجية المميتة على الأمة الإسلامية. وهذه الدروس تضيع عند عبيد ترامب في البلاد الإسلامية، الذين لا يتصورون عالماً بلا سيّد! أما المخلصون من أهل القوة والمنعة، فقد منحهم الله فرصة تاريخية لتغيير واقع الأمة الذي تدعو له في مشارق الأرض ومغاربها. لذلك يجب على جيوش المسلمين إعطاء النصرة لحزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؛ ففي ظل انهيار أنظمة الكفر وتصدّع معسكر الكفار، ستضمن الخلافة تمكين الدين الحق، وتخرج الأمة من التبعية إلى السيادة. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾.
بقلم: الأستاذ مصعب عمير – ولاية باكستان






















رأيك في الموضوع