إن الله خلق البشر وتكفل بأرزاقهم وأقواتهم منذ آدم عليه السلام حتى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ فأودع لهم خيرات وثروات في باطن الأرض وظاهرها وفي البحار والمحيطات وسخرها لهم فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾، وهدى الإنسان إلى التوصل إليها واستخراجها من باطن الأرض بوسائل وأساليب ألهمه إليها ووفقه لها وما كان له ذلك لولا عون الله وتوفيقه.
ومن عدل الله ورحمته ورعايته لعباده أن أنزل إليهم كتابا جاءهم به رسول اختاره منهم يكون حجة عليهم يبين لهم كتاب ربهم ويشرحه لهم والذي يزخر في طياته بنظام إسلامي اقتصادي فريد يكفل توزيع تلك الثروات والخيرات التي امتن الله بها على عباده فتصل إلى كل فرد في مشارق الأرض ومغاربها فلا يبقى جائع إلا ووصله خيرها ولا فقير إلا لامس ريعها ولا مسكين إلا وجاءه نصيبه منها، فهو سبحانه الذي خلق الخلق وأقواتهم وهو الذي أنزل ما يقسمه بينهم القائل في محكم كتابه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
إن مشكلة البشرية أو العالم اليوم ليست في الثروات فهي موجودة وبكثرة، إنما تكمن المشكلة في الناس الذين شذوا عن منهج الله ونظامه الذي جاءهم به واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا وأضلوا حين شرعوا نظاما وضعياً ابتكرته عقولهم القاصرة التي ابتعدت عن نور الوحي فاتبعت الهوى وانقادت للغرائز فكان هذا النظام الرأسمالي الوليد الذي فصل الدين عن الحياة مصدر كل شر في الأرض، اكتوى بنار أفكاره العالم، بل تأثرت من غيه وفساده الحيوانات والطيور وسام الناس سوء العذاب وخاصة المسلمين الذين فقدوا مصدر عزتهم حين أسقطت الخلافة العثمانية التي كانت تحميهم وتجمعهم، واتبعوا يهود والنصارى شبرا بشبر وذراعا بذراع فاستبدلوا بما في أيديهم من خير الذي هو أدنى، استبدلوا بشريعة الله وبنظام الإسلام نظاما ديمقراطيا رأسماليا انتشر في ظل حكمه الفقر والجوع والظلم والهجرة والفساد والاقتتال والاستعمار فأهلك الحرث والنسل بل جاء بالشقاء والبؤس والحروب والخراب والدمار وخاصة بلاد المسلمين وهذا عائد إلى عدة أسباب منها:
1- الدولار الذي أنتجته اتفاقية بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية والتي تمكنت بها أمريكا من وضع أسس سيطرتها النقدية والاقتصادية على العالم بتقديمها الدولار كعملة صعبة تم ربطه بالذهب في بادئ الأمر (الأونصة من الذهب يقابلها 35 دولارا) ثم ربطت بقية العملات بالدولار، ما جعل دول العالم تحتفظ بالدولار في بنوكها كغطاء احتياطي حتى 1971م حين خرج نيكسون وأعلن فصل الدولار عن الذهب وكانت هذه أكبر خدعة تجرعها العالم ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا وأمريكا تنهب العالم بورقة الدولار فتسحب أموال الناس من خزائنهم وجيوبهم بشكل مستمر.
2- المؤسسات المالية والعالمية وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليان اللذان ربطا اقتصاد العالم وخاصة اقتصاد بلاد المسلمين باقتصاد الدول الكبرى من خلال القروض الربوية التي تغرق البلدان بدوامة الديون وتجعل منها فريسة في يد أعدائها فتفرض عليها شروط مقابل القروض التي تمنحها فيتم التوغل في الدول المقترضة ومعرفة مداخلها ومخارجها وتعمل على فرض إصلاحات مالية لتلك الدول بحجة الإصلاح الاقتصادي والتي هي في حقيقة الأمر معاول لهدم الاقتصاد وتخريب البلاد من خلال تعويم العملة وزيادة الضرائب وحرية التجارة ورفع الدعم عن السلع والخدمات، والتي تؤدي إلى التبعية التامة للدول الكبرى فيحدث ركود اقتصادي للبلاد وتضخم العملة المحلية وتدهور الأوضاع الإنسانية وزيادة الفقر والغلاء فيزداد عناء الناس وتكثر الجباية من الدولة وتقل الرعاية.
3- إلغاء الملكية العامة وحصر الملكية بين ملكية فردية وملكية الدولة، وفي الوقت نفسه يطلق المبدأ الرأسمالي العنان لحرية التملك التي جعلت أصحاب رؤوس الأموال يمتلكون الموارد والملكيات العامة فتزداد ثروة الفئة الغنية وتتركز في أيديهم الأموال بينما يزداد بقية الناس فقراً، إضافة إلى أن الملكيات العامة تمثل جوهر الصراع المحموم الذي يدور بين الدول الكبرى الاستعمارية التي تسعى إلى نهب الثروات وخاصة في بلاد المسلمين متخذة لذلك مسميات عدة كالشراكة الاقتصادية أو التعاون الاقتصادي وغيرها من المسميات، أما الشعوب فتبقى مغلوبة على أمرها لا يحصل إلا بقدر ما تكد به يده ويعرق به جبينه.
هذا هو مستنقع الرأسمالية الذي يرزح تحت نيره هذا العالم وخاصة بلاد المسلمين والذي صارت الحياة في ظله قطعة من نار.
لذا يجب على المسلمين أن يعملوا جاهدين على اقتلاع هذا النظام واستبدال نظام الإسلام الذي جاء رحمة للعالمين به والذي يحل كل المشاكل الاقتصادية ويقضي على كل الصعوبات فيوزع الثروة بأحكام شرعية يجعل فيأها يصل إلى كل فرد ويمنع تركزها بأيدي حفنة من البشر تتحكم بمصائر الناس ويعيد الملكية العامة إلى وضعها الصحيح كما قال رسول الله ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» فتشرف الدولة عليها فيلتمس خيرها كل الناس من خلال الخدمات التي تقدم لهم وتعمل الدولة على قطع كل يد آثمة تمتد إليها.
كما أن موقف الإسلام من الربا واضح، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فحرمه تحريما قاطعاً واستأصله من جذوره إذ حرام التعامل مع المؤسسات الدولية التي تتولى كبره وتنشره في كل بقاع العالم.
أما نظام النقد الإسلامي فينفك عن الدولار جملة وتفصيلا ويقوم على قاعدة الذهب والفضة الذي تستقر به الأسعار وتحفظ به أموال الناس.
وخير شاهد ودليل على خير الإسلام وعدله ورحمته بالناس ما كانت عليه الأمة في ظل الخلافة؛ ففي زمن عمر بن عبد العزيز امتلأت خزينة الدولة بالمال وعم الرخاء بلاد المسلمين ونادى منادي الخلافة من كان عليه دين أو يريد الزواج فليقصد بيت مال المسلمين ونثرت الحبوب على قمم الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين، مع أن ثرواتهم آنذاك لم تبلغ عشر معشار ما تزخر به اليوم.
فمشكلة العالم اليوم ليست قلة الثروات إنما ابتعادهم عن النظام الصحيح الذي ينظمها بينهم، إن أحكام الإسلام لن تطبقه الأنظمة العميلة التي خانت الله ورسوله والمؤمنين، إنما تطبقه دولة الخلافة الراشدة الثانية التي يعمل حزب التحرير لإقامتها ليل نهار، فأين أنصار اليوم ليمكنوه من إقامتها فينالوا خير الدنيا والآخرة؟!






















رأيك في الموضوع