ليس عجبا أن يرتكب الغرب الجرائم، بل العجب أن يتفاجأ الناس وكأن الغرب لم يكن يوما مجرما، وكأن تاريخه ليس سلسلة متصلة من القتل والنهب والاحتلال والاغتصاب السياسي والإنساني، من العراق إلى أفغانستان ومن سوريا إلى غزة، ملايين القتلى والمشردين والمكسورين نفسيا وجسديا ولم يهتز إحساس العالم "الحر"، أما حين تفضح جزيرة صغيرة مارس فيها أصحاب النفوذ جرائمهم بالسر تقوم القيامة الإعلامية رغم أن الجريمة ليست جديدة على هذا النظام الرأسمالي بل متجذرة فيه. جزيرة إبستين ليست استثناء بل نموذج مصغر للعالم الذي يحكمه الغرب المتوحش.
الخطأ ليس في المكان ولا في شخص إبستين وحده ولا حتى في الجريمة نفسها، الخطأ والشذوذ في المبدأ وفي المنظومة الدولية التي ترى الإنسان سلعة للاستغلال؛ طفلاً للمتعة، امرأة للإعلان، شعباً للنهب، دولة للاحتلال، وحين تدار الحياة بهذه العقلية يصبح وجود جزيرة إبستين أمرا طبيعيا بل حتميا. المشكلة ليست في إبستين وحده بل في من يقفون خلفه، التركيز على إبستين وحده خداع متعمد، فهو ليس سوى واجهة أو سمسار أو حلقة في سلسلة طويلة من النفوذ، من كانوا معه هم نخبة سياسية ورجال أعمال وإعلاميون وشخصيات نافذة وشبكات حماية وجنود وحراس ولوجستيون، هؤلاء ليسوا خارج النظام القذر، بل هم النظام نفسه، وهم أنفسهم من قادوا الحروب وبرروا القصف وسوّقوا الاحتلال وشرعنوا القتل باسم الديمقراطية، وهم من تحدثوا عن حقوق الإنسان بينما كانوا يدفنون أطفال الشرق الأوسط تحت الركام، فأي عاقل يتصور أن من قاد مجازر جماعية سيتردد عن انتهاك طفل في جزيرة معزولة؟!
الغرب يتحدث عن حقوق الطفل وحقوق المرأة وأخلاقيات الإعلام وحرية الإنسان لكن الواقع يقول هذه ليست قيما بل أدوات سياسية، جعجعات إعلامية وشعارات مغلفة بالعسل والسم الزعاف داخلها، هذه القيم تُرفع لخداع الشعوب، وتستخدم حين تخدم مصالحهم وتداس حين تعيق مشاريعهم. لو كانت حقوق الطفل قيمة حقيقية عندهم لما احترقت مدارس غزة، ولو كانت حقوق المرأة مبدأ أخلاقيا لما اغتصبت نساء العراق في السجون، ولو كانت الكرامة الإنسانية مقدسة لما أقيمت معتقلات مثل غوانتنامو وأبو غريب، لكن الحقيقة الواضحة اليوم أن الثروة مع السياسة مع الإعلام مع النفوذ تساوي حصانة فوق القانون، حين تجتمع هذه العناصر يُشترى الصمت وتوجّه التهم ويغسل المجرم ويشيطن البريء، وهكذا يصبح تجاوز القانون والأخلاق ممكنا بل سهلا. نظريات التوقيت وربط التسريبات بأحداث دولية أو إقليمية كلها تفاصيل ثانوية. الأهم أن ورقة التوت سقطت أمام شعوب الغرب أنفسهم وأمام المؤمنين بعقيدة فصل الدين عن الحياة وأمام أبناء جلدتنا المخدوعين ببريق الحضارة الغربية.
انكشفت حقيقة نظام لا تحكمه القيم بل المصالح، ولا تضبطه الأخلاق بل القوة، ولا يحمي الإنسان بل يستثمر فيه.
الجرائم ليست نتيجة انحرافات فردية بل نتيجة عقيدة تفصل الدين عن الحياة، وتعزل الوحي عن السياسة، وتقصي شرع الخالق عن الحكم وتجعل الإنسان مشرعا لنفسه. والإنسان حين يشرّع لنفسه يشرّع على مقاس شهوته، يحلل ما ينفعه ويحرم ما يضر مصالحه، فكيف ننتظر من نظام كهذا أن يحمي الإنسان.
الخلاصة، إن جزيرة إبستين ليست فضيحة بل اعتراف صريح بأن هذا النظام فاشل أخلاقيا، ساقط إنسانيا، مفلس قيميا، مجرم تاريخيا، وخطير وجوديا على البشرية، وكل من لا يرى ذلك اليوم إما أنه أعمته الدعاية الصاخبة، أو مستفيد من الجريمة، أو خائف من الحقيقة، ومن هنا فإن هذا النظام وهذه المنظومة الفاسدة الحاكمة وهذه الحضارة المنحرفة فطريا لا يمكن إصلاحها من داخلها، بل يجب أن تتغير من جذورها تغييرا جذريا شاملا يستأصل أصل الفساد ويقتلع أساس الانحراف ولا يترك له مجالا للبقاء أو الترميم، لأن الباطل لا يصلح بالباطل ولا يعالج الفساد بأدوات الفساد وإنما يعالج بالحق ويزال الظلم بالعدل لإقصاء الجاهلية وتحكيم الإسلام.
وهنا تتوجه الأمة الإسلامية إلى دورها الحقيقي ودورها التاريخي الذي تخلفت عنه طويلا وهو حمل رسالة التغيير إلى العالم كله، ليس باعتبارها شعارات أخلاقية مجردة بل باعتبارها نظاما كاملا للحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية، فالمسلمون ليسوا مجرد جماعة دينية معزولة، بل هم حملة رسالة عالمية أرسل بها سيد البشر محمد ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وإن هذا التغيير لا يكون عبر إصلاح جزئي ولا عبر ترقيع سياسي ولا عبر مساومات مع أنظمة الفساد، بل يكون عبر عمل فكري سياسي مبدئي منظم يعيد للإسلام مكانته كمرجعية وحيدة للحياة ويعيد للأمة دورها القيادي في العالم ويعيد للإنسان كرامته المسلوبة في ظل حضارة المادة والمتعة والنفوذ، وهذه هي معركة الوعي ومعركة المصير ومعركة الأمة مع نظام عالمي فاسد لا يصلح ولا يستحق البقاء.
بقلم: الأستاذ أحمد زكريا الضلع






















رأيك في الموضوع