في عالم تحكمه شبكات معقدة من المصالح الاقتصادية والتحالفات العسكرية والتوازنات الإعلامية، لم يعد القرار السياسي شأناً داخلياً خاصاً كما كان في الماضي. فالدولة اليوم تتحرك داخل منظومة دولية واسعة تضغط أحياناً وتحتوي أحياناً أخرى، ما يجعل استقلال القرار السياسي واحداً من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في العلاقات الدولية المعاصرة.
استقلال القرار لا يعني العزلة أو قطع العلاقات مع العالم، بل يعني قدرة الدولة على تحديد سياساتها الداخلية والخارجية وفق رؤيتها ومصالحها الذاتية، لا وفق إملاءات خارجية مباشرة أو غير مباشرة. وهذا الكلام بغض النظر عمّا إن كانت الدولة تحمل وجهة نظر خاصة أو لا، فهي ترسم سياستها الخارجية دون تبعية لمحور دولي واحد، وتتخذ القرارات الاقتصادية رغم الضغوطات المالية العالمية، وتحافظ على هوية سياسية وثقافية خاصة.
لكن هذا الاستقلال يطرح دائماً سؤالاً أساسياً: هل يمكن تحقيقه دون كلفة؟
النظام العالمي المعاصر يقوم بدرجة كبيرة على الترابط الاقتصادي والمؤسساتي، وعندما تختار دولة ما مساراً مختلفاً فإن ذلك يُفسَّر أحياناً على أنه تحد لتوازنات النفوذ القائمة.
طبعاً بالنسبة للقوى الكبرى، وخاصة في حالة أمريكا التي تجد نفسها متفردة بالنفوذ، فإن أي نموذج سياسي مستقل بالكامل قد يثير القلق إذا كان قادراً على التأثير خارج حدوده أو تقديم بديل فكري أو استراتيجي لدول أخرى. ولهذا يصبح الصراع غالباً غير مباشر، يأخذ شكل العقوبات أو الضغط الدبلوماسي بدلاً من المواجهة العسكرية المفتوحة.
إن استقلال القرار ليس مجرد إعلان سياسي، بل مشروع طويل يحتاج إلى قبول شعبي داخلي وقدرة على بناء علاقات متعددة لتخفيف العزلة، فالاستقلال المطلق في عالم مترابط قد يتحول إلى عبء إذا لم يقترن بالمرونة الدبلوماسية، بينما التبعية الكاملة تفقد الدولة قدرتها على حماية مصالحها. لأن العالم أصبح شبكة مترابطة اقتصادياً وأمنياً وإعلامياً، فالدولة قد تكون مستقلة سياسياً لكنها مرتبطة بالأسواق العالمية أو بالتكنولوجيا أو بالتحالفات العسكرية.
السؤال: لماذا لا تتمرد الدول على النظام الدولي؟
التمرد بالكامل يعني عملياً الانسحاب من قواعد التجارة العالمية، ورفض المؤسسات الدولية، ومواجهة عزلة مصرفية شبه كاملة، بما يؤدي إلى تضخم شديد وصعوبات في استيراد التكنولوجيا والأدوية وبعض الأغذية، وضغط اقتصادي داخلي كبير. حتى الدول التي تحاول إعلان خطاب سيادي قوي تحافظ غالباً على نوافذ اتصال مع النظام الدولي لتجنب الانهيار الاقتصادي.
وحتى تستطيع الدول أخذ مثل هذا القرار، يجب أن تمتلك اقتصاداً مكتفياً ذاتياً، وأن يكون لها قواعد تكنولوجية متقدمة بصناعة محلية، وقبول داخلي طويل الأمد للتكيف مع حالة الحصار، وباب يُفتح في شبكات تحالفات أو توسعات لا تعتمد على طرف واحد، ومبدأ مخالف للنظام الدولي القائم يتمتع بجمال مبناه وسعته وعدله، ما يجعله يسلط الضوء منذ اللحظة الأولى على فشل النظام الدولي القائم.
ولولا خيانة حكام المسلمين لكانت هناك دول عديدة لها القدرة على الاستقلال السياسي، فبلاد المسلمين تمتلك القدرة الحقيقية فلو قدر لها حمل المبدأ الإسلامي كمنهج لها وقطعت علاقاتها مع الغرب ونظامه بشكل كامل فإن استقلالها السياسي سيكون أمرا حتميا، وسنتناول مثالين من باب الذكر فقط:
تركيا: تمتلك ما يجعلها تتزعم العالم إذا تبنت المبدأ الإسلامي وتحدّت أمريكا واستقطبت المسلمين من حولها، فستصبح في أيامها الأولى قائدة للأمة الإسلامية وزعيمة بين دول العالم. لكن العائق الكبير هو أن هذه الأنظمة المتسلطة على شعوبها وتسوقها لخدمة الغرب ومخططاته، خائنة ولا تملك قرار نفسها.
إيران: فهي محاصَرة منذ زمن وقد دفعت الكلفة دون استقلال سياسي، ولو أن الشعب الإيراني المسلم يخلع هذا النظام الخائن الذي يُظهر القوة ويبطن الخيانة والضعف، ما كان لأمريكا أن تدخل أساطيلها لولا ضمان أن إيران - ورغم العداء - هي الحامية لهذه البارجات، فهي لا تملك قرار ضرب أمريكا في مقتل لأنها خائنة.
ولكن إذا تحرك الشعب المسلم ونفض الغبار عن عقيدته السليمة وعاد إلى منهج رسوله الكريم وخلع هذا النظام وتبنى مبدأ فسنرى كيف أن أمريكا تعيد حساباتها وتخرج أساطيلها ليس خوفاً فقط، بل لأنها لا تملك قرار الدولة الجديدة، فترى نفسها ضمن حرب خاسرة ولو بعد مدة طويلة. ومع الأسف هذا حال حكام المسلمين، لا أحد يملك قراراً ولا سيادة.
ولا يستطيع أحد أن يخطو هذه الخطوة إلا دولة الإسلام، لأنها تحمل مبدأ ربانياً يحرص على استقلال القرار، وأن يكون هذا القرار من وجهة نظر خاصة وهي الإسلام. وجميع المسلمين في البلاد الإسلامية مستعدون للتضحية لعدم زوال هذه الدولة إذا شاء الله متى أذن لها بالظهور، لأنها الوحيدة التي تخالف النظام الدولي، بل وهي الوحيدة القادرة على إظهار بشاعة العودة إليه؛ لما ستنشره من عدل ورحمة يليقان بالإنسان، وتعيد الحقوق لأهلها، وتكسر الاحتكار، وهي الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تتوسع بسرعة في كل الاتجاهات، لأن خيراتها وخبراتها وأراضيها وأهلها تكفي للصمود في المرحلة الأولى.
وطبعاً حتى يأذن الله لهذه الدولة بالظهور يجب أن يكون لها رجالها الذين تلبسوا مبدأها وعملوا على تطبيقه بينهم، وجعلوا روابطهم على أساسه، وأعدوا لهذا العمل كل ما يتطلبه فهم إن شاء الله جاهزون، ويعملون بكل ما لديهم من قوة لاستغلال الأوضاع واستئناف الحياة الإسلامية.
فإن شباب حزب التحرير يصلون الليل بالنهار، وهم الأقدر على قيادة دفة السفينة الإسلامية حتى تستعيد مركزها دولياً وتعود لتحكم العالم بما أمر الله، وتعتلي قيادة الموقف الدولي إن شاء الله. وتتحقق بشرى رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم






















رأيك في الموضوع