لم يعد الاستعمار اليوم يحتاج بالضرورة إلى جندي يحتل الأرض، أو مندوب سام يجلس في القصر، وعلم يرفرف فوق المؤسسات. لقد تطورت الأدوات، لكن الحقيقة لم تتغيّر؛ فالصراع ما زال صراع سيادة، أهي للشرع أم للنظام الدولي الرأسمالي؟ أهو قرار منبثق من عقيدة الأمة أم قرار مرتهن لإرادة الغرب؟
بعد الحربين العالميتين، انسحبت القوى الاستعمارية الأوروبية من كثير من بلاد المسلمين، وأُعلنت دولٌ "مستقلة"، ورُفعت أعلام وطنية، وصيغت دساتير جديدة. لكن هذه الاستقلالات وُلدت في إطار منظومة دولية رسمها المنتصرون، تقوم على الدولة القُطرية، وعلى ربط الاقتصادات المحلية بالسوق الرأسمالية العالمية، وعلى إخضاع القرار السياسي لمعادلات توازن القوى الدولية. وهكذا انتقل الاستعمار من الاحتلال المباشر إلى الهيمنة غير المباشرة.
الاستعمار القديم كان يحتل الأرض ويديرها عبر جنوده وموظفيه، أما الاستعمار الحديث فيحتل القرار عبر أدوات أخطر؛ الاتفاقيات الدولية، المؤسسات المالية، التبعية العسكرية، والارتباط الفكري بالنموذج الحضاري الغربي. لم يعد المستعمر بحاجة إلى أن يحكم بنفسه، ما دام النظام السياسي المحلي يتحرك ضمن الإطار الذي رسمه، ويتبنى المفاهيم ذاتها في الحكم والاقتصاد والاجتماع...
إن أخطر ما في الاستعمار الحديث أنه يُلبس التبعية ثوب السيادة. فالدولة تمتلك علماً وجيشاً ونشيداً وعضوية في الأمم المتحدة، لكنها حين تريد اتخاذ قرار اقتصادي استراتيجي، تجد نفسها أمام شروط صندوق النقد والبنك الدوليين. وحين تفكر في تغيير سياستها النقدية أو التجارية، تصطدم بشبكة التزامات واتفاقيات تجعل حركتها محدودة. وحين تحاول الخروج عن الخط المرسوم سياسياً، تتعرض لضغوط دبلوماسية أو عقوبات اقتصادية أو تهديدات أمنية.
إن المشكلة في حقيقتها لا تقف عند حدود الضغوط الخارجية، بل تمتد إلى أصل البناء السياسي القائم. فالدول القُطرية التي نشأت بعد إسقاط الخلافة لم تُبنَ على أساس العقيدة الإسلامية، بل على أساس وطني قومي يفصل المسلمين بعضهم عن بعض، ويجعل لكل قُطر مصالح منفصلة عن غيره. وهكذا تحولت الأمة الواحدة إلى كيانات متنازعة، يسهل التأثير على كل منها على حدة.
لقد كان إسقاط الخلافة العثمانية سنة 1924م لحظة مفصلية في تاريخ الأمة؛ إذ أُزيل الكيان السياسي الجامع الذي كان رغم ضعفه في مراحله الأخيرة يمثل وحدة المسلمين السياسية. ومنذ ذلك الحين، دخلت بلاد المسلمين مرحلة إعادة تشكيل على أساس الحدود التي رسمها الاستعمار، والمصالح التي أراد تثبيتها. فكانت النتيجة أن أصبح القرار السياسي في كل الأقطار مرتبطاً بنظام رأسمالي غربي لا ينطلق من عقيدة الأمة ولا من مصالحها.
الهيمنة الاقتصادية اليوم تتجلى في ربط العملات المحلية بالدولار، وفي جعل الاقتصاد يعتمد على القروض الربوية، وفي تحويل الأسواق إلى مستهلكة للمنتجات الغربية، ناهيك عن النهب الممنهج لثروات الأمة ومواردها. دول تملك ثروات هائلة من النفط والغاز والمعادن، لكنها تعاني من عجز مالي مزمن، ومن تبعية تكنولوجية، ومن ضعف في التصنيع الاستراتيجي! هذا ليس عجزاً في الموارد، بل نتيجة لبنية اقتصادية وُضعت لتبقي هذه الدول ضمن موقع التابع.
أما الهيمنة العسكرية فتظهر في عقود التسليح التي تجعل الجيوش بحاجة دائمة إلى قطع غيار وصيانة وتحديث من الدول المصدِّرة للسلاح، وفي الارتباط بعقائد عسكرية غربية، وفي المشاركة في تحالفات تُحدد أولوياتها خارج إرادة الأمة. وهكذا يصبح الجيش الذي يفترض أن يكون أداة لحماية الأمة ومصالحها جزءاً من منظومة توازنات دولية لا تملك الأمة قرارها فيها.
من زاوية الإسلام، فإن هذه الصورة تعني أن السيادة ليست للشرع، بل للنظام الدولي. فالسيادة في الإسلام تعني أن التشريع والحكم يستمد من الكتاب والسنة، وأن الدولة تلتزم بتطبيق أحكام الإسلام في الداخل، وتحمله إلى العالم. أما حين تُستمد القوانين من دساتير وضعية، ويُفصل الدين عن الحكم، وتُربط السياسات بإملاءات خارجية، فإن الحديث عن الاستقلال الكامل المزعوم يصبح حديثاً شكلياً.
إن الصراع اليوم ليس مجرد صراع نفوذ، بل صراع حضاري بين نموذجين: النموذج الرأسمالي الذي يقوم على المنفعة والمصلحة الضيقة، والنموذج الإسلامي الذي يقوم على العقيدة ويجعل السياسة رعاية لشؤون الناس بالأحكام الشرعية. ومن هنا فإن التحرر الحقيقي لا يتحقق بتعديل بعض السياسات داخل الإطار القائم، بل بتغيير الإطار نفسه.
إن معالجة الاستعمار الحديث لا تكون بشعارات عاطفية، ولا بردود أفعال آنية، بل بإقامة مشروع سياسي مبدئي يعيد بناء الدولة على أساس الإسلام. مشروع يجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، ويقيم نظاماً اقتصادياً مستقلاً قائماً على منع الربا، وعلى ملكية عامة للثروات الطبيعية، وعلى توزيع عادل للثروة، ويحرر القرار السياسي من الارتهان للمؤسسات الدولية الاستعمارية.
وهذا لا يتحقق في ظل التجزئة القُطرية؛ لأن كل كيان صغير سيبقى عرضة للضغط والابتزاز. إن القوة في وحدة الأمة، في وجود كيان سياسي واحد يجمع طاقاتها البشرية والاقتصادية والعسكرية، ويجعلها رقماً صعباً في المعادلات الدولية. ومن هنا فإن إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ليست مسألة تاريخية أو عاطفية، بل ضرورة سياسية لتحرير القرار واستعادة السيادة.
لقد أثبت الواقع أن الجيوش قد تنسحب، لكن الهيمنة تبقى إن لم يُقتلع أساسها الفكري والسياسي. والاستعمار الذي يعمل عبر القروض والاتفاقيات والارتباطات الفكرية قد يكون أخطر من الاستعمار العسكري؛ لأنه يتسلل إلى البنية الثقافية والقانونية والاقتصادية للدولة، ويعيد تشكيل وعي النخب والأجيال.
إن السؤال الجوهري الذي يجب أن تطرحه الأمة الإسلامية على نفسها اليوم هو من يملك القرار فعلاً؟ هل هم شعوبها التي تريد أن تُحكم بالإسلام، أم النظام الدولي الرأسمالي؟ إن إدراك طبيعة هذا الصراع هو الخطوة الأولى في طريق التحرير. أما الخطوة الحاسمة فهي العمل الواعي المنظم لإقامة الكيان السياسي الجامع الذي يعيد للأمة وحدتها، ويخرجها من دائرة التبعية إلى دائرة السيادة، ومن موقع المتلقي للقرارات إلى موقع صانعها، تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.
بقلم: الأستاذ محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر






















رأيك في الموضوع