قبل الغوص في ثنايا الموقف الأوروبي الرافض لمجاراة أمريكا في حربها على إيران، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء لقراءة المشهد من منظار "العقيدة الترامبية" التي أعادت صياغة مفهوم السياسة الخارجية الأمريكية. لم تكن تصريحات الرئيس ترامب مجرد شعارات انتخابية، بل كانت رسائل حادة للمنافسين والحلفاء على حد سواء؛ فقد طفت على السطح رغبات جامحة في الاستحواذ الاقتصادي والجغرافي، بدءاً من التلميح بامتلاك غزة لتحويلها إلى مشاريع ترفيهية واقتصادية كبرى، وصولاً إلى أفكار غير مسبوقة بضم كندا لتكون الولاية الواحدة والخمسين، أو شراء جزيرة غرينلاند.
هذه الطموحات لم تكن مجرد توسع جغرافي، بل كانت ضربة في صميم السيادة الأوروبية، كون كندا وغرينلاند ترتبطان إدارياً وجيوسياسياً بالفضاء الأوروبي. ترافق ذلك مع تهديدات صريحة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واعتبار أوروبا المستفيد الوحيد منه، مع فرض أرقام فلكية على أوكرانيا مقابل الدعم العسكري، أو مقايضة ذلك الدعم بالسيطرة على المعادن النادرة. هذا النهج القائم على الابتزاز الاقتصادي وفرض رسوم جمركية تجاوزت 200%، ولّد حالة من الازدراء والنفور لدى زعماء العالم، وخاصة الحلفاء التقليديين مثل بريطانيا، الذين وجدوا أنفسهم أمام إدارة تتعامل بعنجهية غير مسبوقة، في حين أصبح كيان يهود هو الابن المدلل الذي تُنفذ طلباته بلا قيد أو شرط.
لقد بلغت عنجهية أمريكا في عهد ترامب مبلغاً غير مسبوق في التاريخ، حيث تحولت الدولة إلى ما يشبه شركة خاصة عابرة للقارات تضع مدونات سلوك عالمية بمعزل عن القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية، ما أدى لتفتيت النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد حرب الـ700 يوم في غزة، أعلن ترامب إنشاء "مجلس السلام العالمي" ليكون بديلاً عن منظمة الأمم المتحدة بمجلس أمنها، بذريعة أن هذه المؤسسات قد انتهت صلاحيتها التاريخية والغاية من إنشائها.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت الهيمنة لتشمل "مبدأ مونرو" بنسخة متطرفة، تمنع أي تدخل عالمي في شؤون القارة الأمريكية (وراء الأطلسي)، وهو ما تجسد في حصار فنزويلا والتنكيل برئيسها مادورو والتحكم المطلق في تدفقات النفط الفنزويلي. هذه المقدمات كانت تمهيداً للضربة الكبرى في الشرق الأوسط؛ الهجوم على إيران.
بنى المخطط الأمريكي استراتيجيته على فكرة "الأيام الأربعة"؛ هجوم صاعق يشمل تصفية القيادات العليا بمن فيهم المرشد الأعلى بهدف إجبار إيران على رفع الراية البيضاء خلال 96 ساعة. كان الهدف هو تحقيق شعار "أمريكا أولاً" عبر وضع اليد على منطقة الشرق الأوسط بمخزونها الهائل من النفط والغاز والمعادن النادرة، والسيطرة على المضائق والممرات المائية التي تتحكم في عصب التجارة العالمية. إن نجاح أمريكا في ذلك كان سيعني تطبيق وصية هنري كيسنجر وبريجنسكي: "إن من يسيطر على الشرق الأوسط يمسك بخناق العالم ويصبح الزعيم الأوحد بلا منافس".
ولكن المخططات التي قد ترسم ويُعد لها الإعداد الجيد ويتم التدرب على تنفيذها لعقود قد تغفل عن جوانب يصعب توقعها نتيجة الغرور بامتلاك القوة الجبارة. لقد اعتمدت أمريكا استراتيجية الضربة الاستباقية لإفقاد الخصم توازنه وشل حركته، إلا أن إيران لم تدخل في غيبوبة بعد الضربة الأولى، بل شنت رداً سريعاً وقوياً باستخدام صواريخ باليستية وفرط صوتية، أصابت القواعد الأمريكية بالشلل وأخرجت الكثير منها عن الخدمة. وكذلك ألحقت ضرراً ودماراً هائلاً بكيان يهود المدلل أمريكياً.
هنا نتساءل: لماذا رفضت أوروبا الانخراط في هذه الحرب؟ تدرك العواصم الأوروبية ومعها بكين وموسكو أن نجاح أمريكا في الاستيلاء المطلق على الشرق الأوسط يعني وضع رقبة أوروبا في حبل أمريكا بشكل دائم. لقد شعرت هذه الدول بضرورة التفلّت من التبعية العمياء (التحالف بلا قيود) التي لم تعد تجلب لها سوى الخسائر.
تذرعت أوروبا بميثاق حلف الناتو الذي ينص على الدفاع المشترك في حال تعرض أحد الأعضاء لاعتداء، وهو ما لا ينطبق على حالة الهجوم الابتدائي الذي شنته أمريكا وكيان يهود على إيران. بل إن التقارير الاستخباراتية الأوروبية أكدت أن إيران لا تشكل تهديداً وجودياً مباشراً يستدعي حرباً شاملة. وما زاد من حنق الأوروبيين هو خذلان أمريكا لهم في الملف الأوكراني؛ حيث تركت أوروبا تتحمل التكاليف الباهظة للحرب، بل واستغلت انقطاع الغاز الروسي الذي ساهمت في تدمير خطوطه الناقلة لأوروبا، لتبيع الغاز الأمريكي للأوروبيين بأسعار خيالية.
نشأ نتيجة لذلك تحالف غير معلن بين القوى الكبرى (أوروبا، روسيا، الصين) لمنع تفرد أمريكا، ليس حباً في إيران، بل رغبة في جعل أمريكا تتجرع مرارة قراراتها وحدها. ورغم ذلك، هناك حقيقة جيوسياسية معقدة: هذه القوى لا تريد سقوط أمريكا تماماً أو هزيمتها هزيمة نكراء تؤدي إلى زوالها، لأن ذلك سيخلق فراغاً سياسياً وأمنياً هائلاً لا تستطيع أي قوة حالية ملأه.
تخشى أوروبا من أن تؤدي هزيمة ساحقة لأمريكا إلى انكفائها داخل حدودها الجغرافية، ما يترك العالم والشرق الأوسط خاصة في حالة من الفوضى الخلاقة وشريعة الغاب، حيث يغيب شرطي العالم قبل نضوج بديل قادر على ضبط الإيقاع. إنهم يريدون أمريكا شريكة لا متسلطة، دولة فاعلة تحترم المصالح الجماعية لا شركة خاصة تنهب الثروات.
إن صمود إيران وتراجع هيبة أمريكا أمام العالم كشفا عن حقيقة غائبة: أن القوة التي كانت تُصور في الأذهان على أنها قدَر لا يُرد، هي في الحقيقة قوة قابلة للانكسار أمام الإرادة الصلبة. وهذا المشهد يضع أمة محمد ﷺ أمام مسؤوليتها التاريخية؛ فالفراغ الجيوسياسي الذي تتركه القوى المتصارعة، وعجز العقبان (أوروبا، روسيا، الصين) عن تقديم مشروع بديل يحقق العدالة، يفتح الباب أمام المشروع الإسلامي المبدئي.
إنها الفرصة الذهبية لتقديم نموذج قائم على العدالة الإلهية التي لا تشوبها شائبة المصلحة الضيقة، لتكون هي البديل في عالم يترنح بين غطرسة القوة وفوضى المصالح. فالتاريخ يثبت أن العروش التي تبنى على الظلم تسقط في النهاية، وأن النصر الموعود يرتبط بمدى تمسك الأمة بمشروعها الأصيل، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
بقلم: الأستاذ سالم أبو سبيتان






















رأيك في الموضوع