تتوالى الأخبار هذه الأيام، حول قرب الإعلان عن اتفاق نهائي وحاسم بين أمريكا وإيران، بما يوحي إلى أن الكفة سترجح لصالح المسار الدبلوماسي على حساب المسار العسكري، أي لصالح التهدئة لا التصعيد، وبالتوازي مع كل الجهود الدبلوماسية المبذولة من الطرفين بهدف الوصول إلى توقيع هذا الاتفاق، وتزامنا مع الحصار البحري المفروض على إيران، تتجدد ضربات أمريكا على جنوب إيران، خصوصاً بندر عباس وجزيرة لارك ومحيط مضيق هرمز، والتي استهدفت قوارب عسكرية، ومنصات صواريخ، وأنظمة دفاع جوي.
في لحظات كهذه، لا تقاس السياسة الدولية بعدد البيانات العسكرية أو سرعة التصريحات الدبلوماسية، بل بعمق التصدعات التي تكشفها الأحداث المتتابعة تحت سطح النظام الدولي. لأن ما يجري في محيط مضيق هرمز اليوم لم يعد مجرد توتر بين واشنطن وطهران، بل هو اختبار مباشر لحدود القوة الأمريكية في لحظة عالمية لم تعد تعترف بالهيمنة المنفردة.
لأيام متتالية، تتداخل لغة التفاوض مع لغة النار. وفود تجلس في غرف الوساطة الباكستانية والقطرية، بينما تُسمع في الخلفية أصوات ضربات وردود مضادة في مسرح بالغ الحساسية الجيوسياسية، تسبقها صور مولدة بالذكاء الصناعي على تروث سوشيال ينشرها ترامب على حسابه حول ضربات أمريكية لسفن إيرانية. هذه ليست مفارقة عابرة، بل نمط جديد: حرب تحت سقف الدبلوماسية، ودبلوماسية تحت ظل الاشتباك.
ما تكشفه هذه المعادلة المعقدة هو أن أمريكا لم تعد تتحرك كقوة قادرة على فرض الاستقرار من موقع التفوق المطلق، بل كقوة تدير التصعيد وتحتويه في آن واحد، وفق منطق "السلام عن طريق القوة". إنها تمارس الردع، لكنها لا تملك ترف الحسم السريع الذي ميّز عقودها السابقة. في المقابل، تتحرك إيران داخل مساحة محسوبة من الاستنزاف المتدرج، مستفيدة من جغرافيا حساسة وممرات طاقة عالمية تجعل أي اشتباك محدود قابلاً للتحول إلى أزمة دولية واسعة.
الأخطر في المشهد ليس التصعيد ذاته، بل تزامنه مع استمرار قنوات التفاوض. هذا التوازي يعكس تحولاً عميقاً في بنية النظام الدولي: لم يعد السلام والحرب خطين متوازيين منفصلين، بل أصبحا طبقتين متداخلتين في اللحظة نفسها. وفي هذه المنطقة الرمادية، تفقد القوة العظمى قدرتها على فرض "القرار النهائي"، وتتحول إلى طرف في لعبة إدارة أزمات دائمة، لم ينفعها حتى استجداؤها بالصين لكسب هذه اللعبة.
اقتصادياً، لم تعد كلفة الانخراط العسكري محدودة أو محلية. فأي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس فوراً على أسواق الطاقة العالمية، ويهدد سلاسل الإمداد، ويضع الاقتصاد العالمي على المحك وفي حالة من القلق المستمر. هذا الترابط لا يمنح قوة إضافية لأمريكا، بل يقيد حركتها. فكل خطوة عسكرية محسوبة ليس على أساس التفوق فقط، بل على أساس ردود الفعل العالمية التي قد تتجاوز مسرح العمليات نفسه.
من جهة أخرى، تحتل الجبهة اللبنانية موقعاً بالغ الحساسية في أي تفاوض بين أمريكا وإيران، ليس بوصفها ملفاً محلياً منفصلاً، بل كعقدة مركزية في شبكة النفوذ الإقليمي الأوسع. فلبنان، في الحسابات الاستراتيجية للطرفين، يتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة ليصبح ساحة اختبار مباشرة لتوازن القوى في الشرق الأوسط.
من منظور إيران، يشكل لبنان امتداداً لنفوذها الإقليمي وأحد أهم أدواته عبر دعم حزبها اللبناني، بما يمنحها قدرة على التأثير في ميزان الردع الإقليمي وخلق عمق استراتيجي خارج حدودها. في المقابل، تنظر أمريكا إلى هذا النفوذ باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تهدد استقرار حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم كيان يهود ثم دول الخليج المستعدة لركوب قطار التطبيع، ما يجعل احتواءه أو تقليصه هدفاً ضمن رؤيتها الأمنية الأوسع، خاصة بعد الفشل في غلق قوس حزب إيران وإنهاء نفوذه العسكري ونزع سلاحه.
وبهذا المعنى، لا يُتعامل مع لبنان كملف قائم بذاته، بل كـ"ساحة اختبار للنفوذ" بين مشروعين إقليميين متقابلين، الأمر الذي يفسر لماذا يمكن أن يظهر اسمه في أي مسار تفاوضي أوسع بين واشنطن وطهران، حتى وإن لم يكن موضوعاً معلناً بشكل مباشر أو نهائي ضمن أي اتفاق محتمل، ثم لماذا أعطي لكيان يهود الضوء الأخضر كي يتمادى في عربدته في لبنان على أمل أن تتأثر المفاوضات بالتطورات الميدانية المنتظرة.
استراتيجياً، الآن تواجه أمريكا معضلة كلاسيكية لقوة عظمى في طور التحول: اتساع الالتزامات مقابل محدودية القدرة على الحسم. فهي مطالبة بحماية شركائها، وردع خصومها، وضمان استقرار الأسواق، ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وكل ذلك في وقت واحد. وقبل ذلك وبعده، حماية كيان لقيط بات مهددا في وجوده. هذا النوع من التعدد في الأهداف يخلق ما يشبه الإجهاد الاستراتيجي، حيث تصبح كل خطوة محسوبة على أنها إدارة مخاطر، لا صناعة نتائج حاسمة.
في المقابل، لا يعني ذلك صعود طرف بديل قادر على ملء الفراغ بشكل كامل داخل المنظومة الرأسمالية، بما في ذلك الصين، بل يشير إلى تفكك تدريجي لفكرة المركز الواحد في النظام الدولي الحالي. نحن أمام عالم تتوزع فيه مراكز القوة، وتتقاطع فيه الأزمات، وتتشابك فيه التحالفات بشكل يجعل أي هيمنة مطلقة أقرب إلى الاستثناء منها إلى القاعدة.
من هنا، يمكن فهم ما يجري ليس كعلامة انهيار فوري، بل كمرحلة تفريغ بطيء لما يمكن تسميته بفقاعة التفوق الأمريكي غير المشروط. هذه الفقاعة لم تنفجر، لكنها تفقد ضغطها تدريجياً تحت وزن الوقائع: حروب لا تنتهي، خصوم لا يختفون، وأسواق لا تهدأ، وحلفاء يعيدون حساباتهم في كل أزمة. هذه العوامل مجتمعة تخبرنا بأن أكبر إنجاز يمكن أن تحققه أمريكا في مسارها التفاوضي مع إيران، هو الوصول إلى اتفاق قابل للانهيار في أي لحظة، وبخاصة إذا نظرنا إلى تعقيدات الملف النووي.
الخلاصة أن العالم لا يتجه نحو فراغ قوة، بل نحو إعادة توزيعها. لكن المؤكد أن لحظة الاعتقاد بوجود قوة قادرة وحدها على ضبط إيقاع الكوكب تقترب من نهايتها. وفي هذا التحول، لا تُهزم الإمبراطوريات بالضرورة في معركة واحدة، بل تتآكل تدريجياً عندما تصبح كل معركة أقل حسماً من التي سبقتها، وفي هذا السياق، يكون الغرور أكثر العوامل تسريعا لهذا التآكل.
غير أن أفول المركزية الغربية لا يعني نهاية التاريخ، بل بداية السؤال الأكبر: أيُّ رؤية تملك القدرة على إنقاذ عالم أنهكته الهيمنة والصراع والاستهلاك؟ وفي قلب هذا الفراغ الحضاري الاستراتيجي، يبرز الإسلام كمشروع حضاري يمتلك تصوراً مختلفاً للإنسان والسلطة والعدل والعلاقات الدولية.
وفي زمن يتآكل فيه اليقين الغربي تحت وطأة الحروب والأزمات والتناقضات الداخلية، لا يبدو الحديث عن عودة الإسلام إلى مركز الفعل التاريخي والجغرافي مجرد حنين مبدئي، بل احتمالاً تفرضه تحولات العالم نفسه. ومن داخل الوعي الإسلامي المتنامي في الأمة، يرتبط هذا الأفق ببشارة رسول الله ﷺ بعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، بما يعنيه ذلك من استعادة لمعنى العدل ووحدة الأمة في مواجهة عالم فقد توازنه الأخلاقي والروحي، وتصدعت أسسه الفكرية والحضارية، وتآكلت الثقة في مؤسساته السياسية والاقتصادية، حتى بات السؤال الحقيقي اليوم ليس: من يحكم العالم؟ بل: أيُّ مشروع حضاري يملك القدرة على إنقاذه؟






















رأيك في الموضوع