قال الرئيس المصري السيسي: "معندناش لا المية ولا الأراضي اللي تكفي لده... اوعوا تتصوروا إن مصر ممكن يكون عندها اكتفاء ذاتي في الإنتاج الزراعي، لا يمكن أبداً تحقيق ده". (بوابة القاهرة24)
جاء تصريح السيسي هذا ليضع كلمة النهاية لقرابة عقد من الوعود الوردية والمشاريع الدعائية العملاقة، معلناً الدخول الرسمي في حقبة هندسة الإحباط وإدارة العجز. إن محاولة النظام تصوير الأزمة الراهنة كحتمية جغرافية بيولوجية فرضتها قلة المياه وضيق رقعة الوادي بالتزامن مع الانفجار الديموغرافي، هي قراءة منقوصة وموجهة، تحاول الهروب من استحقاقات المحاسبة السياسية والاقتصادية. فالواقع المائي والجغرافي لمصر، ودخولها تحت خط الفقر المائي الحرج، لم يكن مفاجأة نزلت على السلطة بغتة، بل هو معطى علمي وتاريخي معلوم ومسجل في أدبيات وزارة الري منذ ثمانينات القرن الماضي. التساؤل الحقيقي الذي يفرضه هذا التراجع الاستراتيجي ليس عن حدود الطبيعة، بل عن كفاية الإرادة التخطيطية ومدى استقلالية القرار السياسي الذي أدار هذه الموارد، أو بالأحرى بددها.
تظهر تجليات الفشل متعدد الوجوه عند عقد مقارنة مباشرة وموضوعية بين هذا الخطاب المحبط وبين القرارات الهيكلية التي اتخذها النظام نفسه طوال السنوات الماضية. ففي عام 2015، جُمعت أربعة وستون مليار جنيه من مدخرات الناس، أي أكثر من ثمانية مليارات دولار وقتها، وضُخت بالكامل في حفر جاف وتوسعة تفريعة موازية لقناة السويس لرفع الروح المعنوية وشراء شرعية سياسية مؤقتة، بدل توجيه تلك الأموال الضخمة نحو بناء أصول إنتاجية سيادية. فلو وجهت لقطاع المياه، لكانت كفيلة ببناء نحو ثمانين محطة عملاقة لتحلية مياه البحر على سواحل مصر، تضخ ثلاثة مليارات متر مكعب سنوياً من المياه العذبة للشرب، وتكفي لرفع العبء تماماً عن نهر النيل وتحويل حصته بالكامل للزراعة. كما كان هذا المبلغ كافياً لتحديث نظم الري بالغمر وتحويل الرقعة الزراعية القديمة في الدلتا والوادي بالكامل إلى الري بالتنقيط الذكي، وهو ما يوفر نحو خمسة عشر مليار متر مكعب من المياه المهدورة سنوياً بالتبخر والرشح. هذا التوفير المائي وحده كان كفيلاً بقلب معادلة العجز وزراعة ملايين الأفدنة الإضافية بالمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة، والقفز بمؤشرات الأمن الغذائي بدل التباكي على فقر الموارد الحتمية.
يتعدى هذا الفشل التخطيط المحلي ليتشابك مع تنازلات جيوسياسية كارثية خطت بيد السيسي، وتمثلت في توقيع اتفاقية إعلان المبادئ الخاصة بسد النهضة في آذار/مارس 2015 بالخرطوم. هذا التوقيع الذي منح إثيوبيا شرعية دولية وقانونية افتقدتها لعقود، وفتح أمامها أبواب التمويل وبناء السد وفرض سياسة الأمر الواقع والملء الأحادي، ما جعل شريان الحياة الأوحد للمصريين بمثابة صنبور تتحكم فيه القوى الخارجية. هكذا تحولت التحديات الطبيعية إلى أدوات حصار مقصودة، حيث ترفض البيروقراطية الزراعية والسياسية خوض معركة التحرر التكنولوجي من خلال توطين أبحاث البذور والتقاوي قصيرة العمر المقاومة للجفاف، وتكبل المزارع التقليدي بإجراءات تقشفية، بينما يحتل الكيان الغاصب لفلسطين المرتبة الرابعة والعشرين عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي ويكتفي ذاتياً من الخضار والدواجن والألبان بنسب تقارب 100%، رغم اشتراكه مع مصر في نفس الطبيعة الصحراوية والشح المائي الفاحش، وذلك بفضل الاعتماد الاستراتيجي المبكر على تدوير 90% من مياه الصرف الصحي والري الدقيق.
إن المقارنة بين عجز الدولة الوطنية الحديثة المحصورة داخل حدود سايكس بيكو الضيقة، وبين جغرافية الإسلام المفتوحة، تفسر البعد الهيكلي للأزمة المعاصرة. فعندما كان الخليفة هارون الرشيد يخاطب الغيمة قائلاً "أمطري حيث شئتِ فخراجكِ آتيني"، لم يكن ذلك ترفاً خطابياً، بل تعبيراً عن جغرافية سيادية ممتدة عابرة للحدود الجمركية والسياسية الإقليمية، تسيطر على الأنهار من منابعها إلى مصباتها، وتتكامل فيها أراضي السودان والعراق ومصر الخصبة مع الفوائض المالية وبحار الأمطار. تفكيك هذه الجغرافيا وحصار مصر داخل شريط ضيق ومحاط بالصحاري جعل تحقيق الاكتفاء الذاتي مستحيلاً بالمنظور الوطني المنفرد، والأنظمة الحالية تستغل هذا الحصار لتمرير سيكولوجية الخوف والتبعية، وإقناع الناس بأن الخضوع لشروط مؤسسات التمويل الدولية وبيع الأصول والموانئ لتدبير الدولار هو القدر الحتمي الوحيد للبقاء على قيد الحياة وتوفير رغيف الخبز!
في ظل هذا الانسداد، يبرز المشروع الحضاري البديل الذي يقدمه حزب التحرير الذي يعمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، كنموذج مبدئي يسعى لكسر هذه الدائرة المفرغة من التبعية. فمشروع الدستور الذي وضعه الحزب يمنع تعطيل الأرض لأي سبب من الأسباب، ويطبق أحكاماً فقهية صارمة تسحب الأراضي من المحتكرين وتمنحها لمن يحييها، مع دمج الموارد والثروات البشرية والمالية في فضاء إسلامي موحد ينهي لعنة الحدود الاستعمارية. كما أن الرؤية الصناعية للحزب لا تقف عند الجمود التقني، بل تقوم على فرض سياسة التصنيع الثقيل المستقل وتصنيع الآلات والمحركات محلياً لخدمة كل قطاعات الصناعة بما فيها الزراعة والري، وربط مناهج التعليم التجريبي بالأبحاث التقنية الحيوية للبذور والتحلية. هذه الحلول السيادية مستحيلة التطبيق في ظل النظام الحالي، لكنها تصبح بدائل حتمية لدولة مبدئية ترفض الارتهان للكافر المستعمر.
إن الرسالة الأعمق الكامنة وراء خطاب السيسي الأخير تتجاوز مجرد سرد الأرقام؛ إنها رسالة عقاب مبطنة لشعب فكر يوماً في استرداد سلطانه بثورته في 25 يناير، ومحاولة لكسر إرادته عبر إفهامه بأنه لا يملك مقومات الحياة المستقلة، وأن سقف طموحاته يجب ألا يتجاوز حدود لقمة العيش المغموسة بالدين والتنازل. إن الحل الطبيعي والسهل للأمن الغذائي كان يكمن في فضاء التكامل التاريخي الواسع حيث تمطر السحابة أينما شاءت فيأتي خراجها، لكن في زمن الانحسار الحالي، وبدل تذليل الصعاب بالابتكار العلمي والإرادة المستقلة الجسورة، اختار النظام توظيف الحتمية الجغرافية لتبرير الفشل، وترسيخ التبعية، وفرض منطق "لا أريكم إلا ما أرى" على أمة يُراد لها أن تنسى قدرتها على التحدي وصناعة مستقبلها بأيديها.
يا أهل الكنانة، يا أحفاد الفاتحين والعلماء الأجلاء، إن هذا الواقع المظلم الذي يراد فرضه عليكم ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تكبيلكم بحدود وهمية وسياسات تابعة أفقدتكم السيادة على أرضكم ومياهكم، وإن الخروج من هذا النفق المظلم لن يكون بالاستسلام لخطابات العجز، بل بالالتفاف الواعي والشجاع حول مشروع الأمة الاستراتيجي والمبدئي الذي يتبناه حزب التحرير لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، الدولة التي تدمج الطاقات وتسقط الحدود وتعيد للأمة هيبتها واستقلالها الغذائي والسياسي. إن هذا المشروع العظيم هو طوق النجاة الوحيد لجيل الشباب وتطلعات الجيل الصاعد، وينتشلهم من دوامات الإحباط والضياع ليغرس في نفوسهم عزة الانتماء الشامخ لعقيدة الإسلام، ويشعرهم بفخر الانتساب لأمة لا تبتغي عزتها إلا بالله ورسوله، فهبّوا لنصرة دينكم واسترداد سلطانكم المغتصب، لتشرق شمس النهضة من جديد على ربوع أرضكم الطاهرة وتعود الأمة متبوعة لا تابعة، وقائدة لا مقودة.
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر






















رأيك في الموضوع