يحيط بالسودان عدد من الدول صنيعة سايكس بيكو؛ مصر من الشمال، وليبيا من الشمال الغربي، وتشاد من الغرب، وأفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي، وجنوب السودان من الجنوب، وإثيوبيا من الجنوب الشرقي، وإريتريا من الشرق، والبحر الأحمر الذي من ورائه السعودية من الشمال الشرقي، ما جعل لهذه الدول أثراً في الحرب بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع، سواء أكان بالنزوح إليها أو بالاشتراك الفعلي في هذه الحرب بأعمال سياسية أو عسكرية.
ففي أيار/مايو 2023 بدأ الدور السعودي بمنبر جدة وهو مسار تفاوضي برعاية مشتركة بين السعودية وأمريكا، فقد أوكلت أمريكا للسعودية ملف السلام في هذه الحرب فكان منبر جدة، منذ الاثنين 22 أيار/مايو 2023م، ثم بأمر من أمريكا تناسلت الهدن.
إن أمريكا هي التي تحرك الأوضاع في السودان، وتتحكم في مفاوضات جدة، فإن ما وقع عليه الطرفان في جدة قالت به مساعدة وزير خارجية أمريكا للشؤون الأفريقية مولي في، في اجتماعاتها في أديس أبابا في الفترة من 14-16 أيار/مايو 2023م حيث قدمت معلومات عن المحادثات في جدة لتأمين وقف إطلاق نار قصير المدى، يسمح بوصول المساعدات الإنسانية. ثم كانت اجتماعات دول الآلية الرباعية الأمريكية في واشنطن (أمريكا، ومصر، والسعودية، والإمارات)، التي رفضها البرهان ثم أعرب أنه مستعد للعمل مع رئيس أمريكا ترامب، وأكد في ختام زيارة رسمية للرياض بدعوة من ابن سلمان "حرص السودان على العمل مع الرئيس ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو ومبعوثه للسلام في السودان مسعد بولس في جهود تحقيق السلام ووقف الحرب". وهكذا كان للسعودية دورها في حرب السودان لتثبيت حكم البرهان، وهذا ظاهر؛ فبعد ثلاثة أشهر من الحرب يوم الخميس 13/7/2023 اختتمت أعمال قمة دول جوار السودان في القاهرة وذلك لإفشال مساعي أحزاب المعارضة السودانية التابعة لأوروبا لاستلام مساعي السلام. فكان مؤتمر القاهرة لدول الجوار بمناشدة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إنهاء الحرب، والدعوة إلى حوار جامع بعيدا عن التدخلات الخارجية.
جاء المؤتمر بعد شهرين من اندلاع النزاع منتصف نيسان/أبريل 2023، بهدف معالجة التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية، وتوفير الغذاء، والمأوى، والرعاية الصحية، وسبل الحماية للملايين. وهذا ما كانت تهدف إليه أمريكا صانعة الحرب بأن يكون الحل مقتصرا على هدنة وفتح المسارات الإنسانية، حتى تقضي على النفوذ الإنجليزي في السودان أو تحجمه وحتى يتم لها فصل إقليم دارفور إن رأت ذلك. فأوعزت للسيسي دكتاتور ترامب المفضل لعب الدور السياسي لتثبيت حكم البرهان فكانت اللقاءات بين مصر وبولس ووزارة الخارجية الأمريكية حتى تلعب مصر هذا الدور السياسي.
أما ليبيا وعلاقتها بموالاة الدعم السريع ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أفاد تقرير صادر عن منظمة ذا سنتري الأمريكية للرقابة، بأن القوات الموالية للقائد الليبي خليفة حفتر تزود قوات الدعم السريع بالوقود المهرب نيابة عن الإمارات.
أما تدخل تشاد في هذه الحرب العبثية فهي لتموين الدعم السريع بالمؤن والذخائر عبر معبر أدري باسم الإغاثة والعون الإنساني
ولم تكن أفريقيا الوسطى بعيدة عن دائرة الحرب في السودان، خاصة بعد إغلاق معبر أدري، فقد شكل سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة أم دافوق الحدودية في ولاية جنوب دارفور، في منتصف حزيران/يونيو ٢٠٢٣. وتعد هذه المدينة معبراً تجارياً وحيداً يربط بين السودان وأفريقيا الوسطى، وأما معبر أم دافوق فيعد "منطقة بالغة الأهمية لقوات الدعم السريع التي تقع مناطق نفوذها الرئيسية في غرب السودان، بخاصة بعد إغلاق تشاد حدودها مع السودان، ما ساهم في غلق خطوط الإمداد وتنقل المقاتلين بين البلدين".
أما دويلة الجنوب الانفصالية التي شريانها شمال السودان فتعد ممراً رئيسياً لعبور التسليح للدعم السريع باسم المساعدات الإنسانية، وفتح جبهات قتال جديدة على جهة النيل الأزرق وكادقلي بما يعرف بسياسة شد الأطراف. ذكرت الجزيرة في ١٢/١٢/٢٠٢٥ (قال قائد جيش دولة جنوب السودان بول نانق إن بلاده أرسلت قوات إلى السودان لحماية حقل هجليج النفطي الاستراتيجي قرب الحدود بعد أيام من سيطرة قوات الدعم السريع عليه، في الوقت الذي تتواصل الاشتباكات في كردفان. وأكد الجنرال نانق أن نشر القوات تم بموافقة رئيس جنوب السودان سلفا كير، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي). وقال الناطق الرسمي باسم الجيش، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب، إن مسيّرات انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي، ونفذت طلعات عدائية داخل الأجواء السودانية، استهدفت مواقع عسكرية ومدنية، من بينها مطار الخرطوم الدولي).
كما أن إثيوبيا تساهم في هذه الحرب اللعينة في السودان، حيث كشفت تقارير دولية منذ نهاية العام الماضي، عن وجود معسكر كبير داخل الأراضي الإثيوبية لتدريب وإسناد قوات الدعم السريع، مزود بممرات جوية وحظائر للمسيّرات. كما أشارت تلك التقارير، المدعومة بصور من الأقمار الاصطناعية، إلى عشرات الرحلات الجوية التي نقلت عبرها إمدادات السلاح إلى قوات الدعم السريع.
أما إريتريا ومشاركتها في حرب السودان ففي ٤/٥/٢٠٢٣ ذكرت الإندبندنت أن الرئيس الإريتري اعترف بأن حكومته دعمت قائد الجيش السوداني البرهان بعد سقوط النظام السابق، "ليس لأسباب تتعلق بشخصه، بل لأنه يمثل المؤسسة السيادية الأولى في البلد وهي الجيش"، بل نجد أن إريتريا تفتح طريق إمداد جديد للبرهان، فقد ذكرت صحيفة العرب وغيرها من الصحف، الأربعاء، 18 حزيران/يونيو، 2025: (كشفت تقارير إثيوبية متطابقة أن الجيش السوداني لجأ إلى الأراضي الإريترية لتأمين شحنات أسلحة حيوية، بما في ذلك أنظمة مضادة للطائرات وطائرات مسيّرة تركية وإيرانية، وبراميل متفجرة وقطع غيار، ما يغذي الحرب الطاحنة المندلعة منذ عام 2023).
هكذا تدير أمريكا ملف حرب السودان عبر دول سايكس بيكو. وهكذا هو حال حكام المسلمين لا يهمهم أمر الناس وأمنهم، فلا يهمهم إلا أن يجلسوا على الكراسي وأسيادهم يديرونها.
إنه لمن المؤسف حقا أن تكون بلادنا ساحة صراع للدول الاستعمارية رغم أن البلاد التي تحيط بنا هي بلاد إسلامية وجل أهلها مسلمون، ولكنه حبل الاستعباد الذي في عنق حكام المسلمين. ولن تنفك البلاد والعباد من ربقة الاستعمار إلا باستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وعندها توضع الموازين القسط بإذن الله، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان






















رأيك في الموضوع