تفسّر إيران موجة الاحتجاجات الجديدة التي اندلعت هناك في أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر، على أنها تدخّل خارجي. وهذه العبارات ليست جديدة بالنسبة لإيران، إذ استخدمتها على مدى عقود، بدءاً من "الحركة الخضراء" عام 2009، مروراً باحتجاجات أعوام 2017 و2019 و2022. وفي كل واحدة من هذه الأحداث، جرى التركيز على دور قوى أجنبية تسعى إلى زعزعة الاستقرار وإضعاف الدولة. غير أنّ هذا التفسير، رغم كونه مريحاً لطهران، فإنه لا يجيب على سؤال: لماذا تتسع رقعة الاحتجاجات على نحو متزايد لتشمل شرائح أوسع من المجتمع، ولماذا تتجدد مرة بعد أخرى؟
مبدئيا، ليس من العقل نفي وجود تأثير لمصالح خارجية فيما يجري. فإيران تُعدّ أحد اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، ولا شكّ أن إضعاف استقرارها الداخلي من شأنه أن يخلّ بشكل كبير بتوازن القوى في الشرق الأوسط. وبالنسبة لمنافسيها الجيوسياسيين، من مثل كيان يهود وشركائه، فإن الأزمة الداخلية في إيران تعني تراجع قوتها، أي انخفاض قدرتها على التأثير خارج حدودها، وتراجع مشاركتها في النزاعات الإقليمية، وضعف قدرتها على الدفاع عن توجهاتها في السياسة الخارجية.
كما يضاف إلى ذلك دور نشط لجزء من المعارضة الإيرانية في الخارج، التي تسعى منذ سنوات إلى تدويل المشكلات الداخلية للبلاد، وتحاول تقديم الاحتجاجات على أنها دليل على فقدان النظام لشرعيته بالكامل. وتسهم وسائل الإعلام الأجنبية، ومنصات التواصل الإلكتروني، والتصريحات السياسية في تضخيم أثر الاحتجاجات، ومنحها صدى إضافياً، وجذب اهتمام دولي أوسع إليها.
ومع ذلك، فإن التمييز بين الاستفادة من الأزمة وبين نشأتها وأسبابها الجذرية يُعدّ أمراً بالغ الأهمية. فقد تستغل القوى الخارجية الوضع لخدمة مصالحها، وتفسّره بما يخدمها، بل قد تُسهم في تصعيد التوتر الإعلامي، غير أنّ ذلك لا يعني أنها هي التي خلقت الأزمة ذاتها.
ما مدى ترجيح فرضية المؤامرة الخارجية؟
إنّ القول بأن الاحتجاجات في إيران هي نتيجة إدارة خارجية مركزية لا ينسجم إطلاقاً مع بنيتها الواقعية. فهذه التحركات لا تمتلك قيادة موحّدة، ولا فكرة واضحة، ولا برنامجاً منسّقاً. وهي تظهر بشكل متقطّع في مناطق مختلفة من البلاد ولأسباب متباينة، وغالباً ما تنشأ بصورة عفوية. كما تشارك فيها فئات مجتمعية تختلف جذرياً في مصالحها: من عمّال الصناعة وصغار التجّار، إلى الطلبة والمتقاعدين. وتتراوح مطالب المحتجّين بين قضايا اقتصادية بحتة وشعارات سياسية عامة. وهذا لا يدل على عمل تأثير خارجي منظَّم، بل على تراكم حالة سخط شعبي واسع داخل المجتمع. وإنّ مشاركة شرائح متنوّعة من المجتمع في الاحتجاجات تجعل من الصعب على السلطة، وكذلك على المراقبين الخارجيين، التحكّم في مسار هذه التحركات أو إدارتها.
السبب الرئيس للاحتجاجات: التدهور الاقتصادي
إنّ أساس الاحتجاجات الحالية يتمثّل في أزمة اقتصادية مزمنة. وبالنسبة لإيران، لم تعد هذه الأزمة مجرّد مشكلة ماكرو-اقتصادية مجرّدة، بل تحوّلت إلى أزمة تمسّ الحياة اليومية لغالبية الإيرانيين. فالانخفاض الحاد والمستمر في قيمة العملة المحلية دمّر ثقة الناس بالنظام الاقتصادي، وأدى عملياً إلى تبديد مدّخرات الطبقة الوسطى. وخلال السنوات الأخيرة، فقد الريال الإيراني جزءاً كبيراً من قيمته. ففي عام 2015 كان سعر الدولار يتراوح بين 30 و35 ألف ريال، بينما تجاوز في نهاية عام 2022 حاجز 400 ألف ريال! وخلال عام 2025 تسارع التدهور أكثر، ففي بداية العام كان الدولار يساوي نحو 800 ألف ريال، وفي نهايته تجاوز في السوق الحرة 1.4 مليون ريال! وهكذا، فقد الريال خلال عام واحد أكثر من 40% من قيمته، وخلال عقد واحد خسر تقريباً كامل قدرته الشرائية السابقة. وقد وجّه هذا الواقع، مقترناً بنسبة تضخّم تجاوزت 40%، ضربة قاسية ومباشرة لمستوى معيشة السكان.
إنّ ارتفاع معدلات التضخّم، وغلاء أسعار الغذاء والسكن والخدمات الأساسية، جعل مستوى المعيشة السابق بعيد المنال لملايين الأسر. فقد تراجعت الدخول الحقيقية للسكان، وتوقفت تقريباً الحركية المجتمعية (الانتقال بين الطبقات). وفي الأزمة الراهنة، لا شكّ أنّ العقوبات تلعب دوراً كبيراً، غير أنّها لا تفعل سوى تعميق المشكلات الداخلية القائمة، والتي تشمل سوء الإدارة والفساد والاختلالات البنيوية واعتماد الاقتصاد على مصادر دخل محدودة. ونتيجة لذلك، يتحوّل السخط الاقتصادي من مشكلة مؤقتة إلى حالة مزمنة طويلة الأمد، ما يؤدي إلى جعل الاحتجاجات والتظاهرات أمراً شبه حتمي.
الخلاصة
ينبغي النظر إلى الاحتجاجات في إيران، لا بوصفها مخططاً مفروضاً من قوى خارجية، بل باعتبارها في المقام الأول مؤشراً على مشكلات بنيوية داخلية في الدولة. نعم، توجد في الخارج قوى معنيّة بحالة عدم الاستقرار الراهنة، وتسعى إلى استغلال ما يجري بنشاط لمصلحتها، غير أنّ ذلك ليس سبباً، بل هو نتيجة. وبالتالي، فإنّ تفسير الأحداث حصراً على أنها مؤامرة خارجية يتيح للسلطات الإيرانية تبسيط المشهد، وتجنّب الخوض في القضايا الاقتصادية والسياسية والمؤسسية الجوهرية. وفي الوقت نفسه، فإنّ هذه القضايا نفسها هي التي تشكّل البيئة الاجتماعية داخل المجتمع. وفي مثل هذه البيئة، لا تصبح الاحتجاجات ظاهرة نادرة، بل تتحوّل إلى عنصر متكرّر من الواقع اليومي في إيران. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد اسم "الإسلامية" الذي تحمله الدولة سوى عنصرٍ تجميليٍّ شكليّ.
بقلم: الأستاذ لطيف الراسخ






















رأيك في الموضوع