بعد احتلال أمريكا للعراق عام 2003 صدر قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 1500 في 14/8 2003 القاضي بتشكيل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (اليونامي)، ولم يكن بطلب من العراق حينها، وقالوا إن الغاية منها هو لمساعدة العراق للانتقال إلى مرحلة جديدة من التطور السياسي والاقتصادي والتفاعل الإيجابي مع الأسرة الدولية، من خلال تقديم المشورة والدعم والمساعدة للحكومة العراقية في حل أية مشاكل تظهر على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وكان أول ممثل لها جيو فيرا دي ميليو، والذي قتل بعد خمسة أيام من مباشرته بالعمل، في حادث تفجير فندق القناة ببغداد في 19/8/2003، ثم تبعه ممثلون أبرزهم جينين بلاسخارت، وآخرهم الدكتور محمد الحسان.
وبعد أكثر من عقدين على عمل هذه البعثة أُعلن يوم السبت 13/12/2025 إنهاء عملها، وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى بغداد، بناء على طلب قدّمه رئيس مجلس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، رسمياً في 21/5/ 2024، إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
فماذا قدمت هذه البعثة خلال 22 عاما؟!
أهم أعمالها التي تدعيها، أنها لعبت دور الوسيط والمراقب، خاصة خلال الفترات الانتقالية الحساسة، مثل كتابة الدستور، تعزيز الحوار السياسي الشامل، المصالحة الوطنية، تنظيم الانتخابات، وإصلاح قطاع الأمن. وقد لخص الحالة الوردية لعمل هذه البعثة ممثلها محمد الحسان في كلمته التوديعية، والتي كانت بعيدة كل البعد عن واقع العراق، حيث صور لنا العراق وكأنه جنة نعيم، وأنه "بلد نموذجي خال من المشاكل، وأنه قادر الآن أن يقود نفسه بنفسه بعد اكتمال نضوجه السياسي! ولم يعد بحاجة إلى الرعاية الأبوية للأمم المتحدة، التي أشرفت هي على بناء العراق الجديد، وأن الشعب أصبح قادرا على اختيار ممثليه في البرلمان من خلال صناديق الاقتراع"، وغيرها الكثير من كلمات المديح التي تستحق أن ترفع لها القبعة!
وهنا لا بد لنا من سؤال وهو أن بعثة الأمم المتحدة (يونامي) وبعد أكثر من عقدين على وجودها، ومع كل تلك الإنجازات التي تدعيها، نسأل كيف تركت العراق؟!
لقد غادرت العراق وهو في أسوأ حالاته، بلداً منزوع السيادة، مثقلاً بالديون، غارقاً في الفساد، فاقداً للأمن والأمان، ينطق فيه السلاح والعصابات الإجرامية.
فهذا التناقض والكذب بين ما تدعيه وبين الواقع الذي يعيشه البلد، لا غرابة فيه، لأن هذه المنظمات لم تُنشأ ولم تكن يوما في خدمة الإنسانية، بل هي منظمات استعمارية تنفذ أجندات المحتل، وتقدم السم بغلاف العسل، وقد شاهد أهل العراق الأعمال الخبيثة التي قامت بها ممثلة البعثة جينين بلاسخارت التي عملت في العراق للفترة من 2019 ولغاية 2024، حيث استطاعت أن تحيط نفسها بهالة إعلامية كبيرة، من خلال ظهورها على الفضائيات ومواقع التواصل، وبث لقاءاتها مع الساسة العراقيين من رئيس الحكومة ورئيس البرلمان ورئيس الدولة، وحتى قادة الفصائل المسلحة، ولقاء السيستاني مرتين، ومع هذا كله كانت شاهدة على تدهور الأوضاع وضياع البلد ولم تقدم أي معونة لتخفيف هذا العناء، والسبب كما أسلفنا أنها لم تأت لحل مشاكل البلد، بل لإدخاله في مشاكل، مع أخذ الرواتب والامتيازات لما يقرب من 648 موظفا في هذه البعثة.
أما مردود هذا القرار دوليا فقد أيدت الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا قرار إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة، غير أن أمريكا تحفظت على القرار، وشددت على الدور الرئيسي للبعثة في كثير من القضايا السياسية المهمة، مثل دعم تنظيم الانتخابات وتعزيز حقوق الإنسان وغيرها، وحسب هذا الموقف الأمريكي فقد يشهد العراق في قابل الأيام أحداثا وهو أمام سيناريو جديد:
إما تعزيز ما يُسمى بالسيادة الوطنية ودعم العملية السياسية حسب الرؤية الأمريكية، وإظهار العراق أنه صاحب قرار، وهيمنة الاستثمار الأمريكي، بعد تفاهمات سياسية وخاصة فيما يخص ملف الفصائل المسلحة، وهذا الذي جعل السوداني يبدي هذا الارتياح، وإما الفوضى والانفلات الأمني وتصفية الحسابات السياسية، ودخول العراق في نفق أكثر ظلمة مما هو فيه.
وخلاصة القول فيما يخص معاناة أهل العراق، إن هذه البعثة قد دخلت العراق عام 2003 وهو بلد محتل وحاله سيئ، وتركته وحاله أسوأ، مثقلاً بالمشاكل والأزمات السياسية والاجتماعية والأمنية والأخلاقية، مع انتشار المخدرات، وطغيان الفقر والعوز والبطالة، وانفلات السلاح، وفساد مستشر، وسرقة للأموال بأرقام مخيفة، إضافة إلى مديونيته الخارجية والداخلية... فأي دور إصلاحي قامت به هذه البعثة، وهل وجودها أفضل من عدمه؟!
لذلك نقول: إن صلاح الحال وعلاج المشاكل لا يمكن أن نستجديه من أعدائنا، بل لا بد لنا من أخذ زمام المبادرة، وقلع أشواكنا بأيدينا، وهذا لا يكون إلا بتفعيل هويتنا الإسلامية، واحتضان مشروعنا الحضاري، وجعل السيادة لله بتحكيم شرعه، والاستقامة على أمره، فبذلك يعود لنا مجدنا السالف، وعزنا الغابر، وأن نكون من الغرباء الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيباً ثُمَّ يَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ».
فهذا العلاج الوحيد الذي يقتلع الكفر وجذوره، ويُنهي الاحتلال ومنظماته، ويقطع أذرعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالداء واضح والعلاج معلوم ولا علاج بغير الإسلام.
بقلم: الأستاذ أحمد الطائي – ولاية العراق






















رأيك في الموضوع