أثارت زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان إلى تركيا مؤخرا جدلا واسعا في الأوساط السياسية، بين من اعتبرها خطوة لتعزيز التعاون والدعم الإقليمي، ومن رأى أنها تحرك بروتوكولي محدود التأثير على مسار الحرب والأزمة المتفاقمة في السودان. (الجزيرة نت)
تأتي زيارة البرهان إلى تركيا في وقت يشهد فيه الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية-شمال توقف العمليات العسكرية، كر وفر من حين لآخر في إقليم كردفان، إلى جانب ضغوط دولية على الحكومة السودانية للقبول بخارطة الطريق المقدمة من أمريكا "الرباعية"، التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة في 12 أيلول/سبتمبر الماضي، لإنهاء النزاع. حيث تُصر الخرطوم على رفض مشاركة أبو ظبي، بسبب دعمها لقوات الدعم السريع. بالإضافة إلى ضغط داخلي بعدم القبول بأي هدنة مع قوات الدعم السريع.
مثلت العاصمة التركية أنقرة المحطة الثالثة للبرهان، في غضون عشرة أيام، والتي زارها في 25 كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد زيارته إلى الرياض والقاهرة يومي 15 و18 من الشهر ذاته، في جولة خارجية تأتي وسط ضغوط خارجية متزايدة على الخرطوم، وتراجع ميداني للجيش في إقليم كردفان الذي يربط غرب وشرق البلاد. الجدير بالذكر أن تركيا لم تتوقف عن دعم وإسناد السودان بشكل واسع في مجالات الأمن والدفاع. وهناك اتفاقيات بين البلدين في ذلك.
وعلى خلفية اللقاء، أصدرت الرئاسة التركية بياناً أوضحت فيه أنه سيتم تعزيز التعاون بين تركيا والسودان في مجالات عديدة، بدءاً من التجارة والزراعة، وصولاً إلى الصناعات الدفاعية والتعدين. وأشار البيان إلى أن تركيا ستواصل تلبية احتياجات الشعب السوداني، الذي يواجه أزمة إنسانية، عبر تقديم المزيد من المساعدات الإنسانية.
ومن الملاحظ أن مراسم الاستقبال حضره من الجانب التركي وزراء الخارجية حقان فيدان، والدفاع يشار غولر، والزراعة إبراهيم يومقلي، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، ورئيس هيئة الصناعات الدفاعية خلوق غورغون.
فيما يرافق رئيس مجلس السيادة الانتقالي وكيل وزارة الخارجية معاوية عثمان خالد، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل ومدير عام منظومة الصناعات الدفاعية الفريق أول ميرغني إدريس.
وعقب مراسم الاستقبال عقد زعيما البلدين اجتماعا ثنائيا، أعقبه عشاء عمل بين وفدي البلدين (الجزيرة + الأناضول)، وأوضح البرهان أن السودان وتركيا وقّعا في وقت سابق مذكرات تفاهم وتعاون، إلا أن تنفيذها كان بطيئاً، مشيراً إلى أن زيارته الحالية وضعت الآليات الكفيلة بتعزيز التعاون في مجالات متعددة. وأشار إلى أنه طلب من الرئيس أردوغان، في ضوء دور تركيا في إحلال السلام بعدة أزمات حول العالم، المساعدة في الوصول إلى حل للأزمة السودانية. وأكد البرهان أن من بين أهداف زيارته أيضاً الاستفادة من التجربة التركية في إطار مشروع "تركيا بلا إرهاب"، معتبراً إياها تجربة يمكن الاعتبار بها.
وفي الشأن الاقتصادي، قال البرهان إن السلطات السودانية تتشاور بشأن رفع التأشيرة عن رجال الأعمال الأتراك لتسهيل قدومهم إلى السودان، مؤكداً حاجة بلاده في المرحلة المقبلة إلى إمكانيات تركيا في مجالات إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية وقطاع الطاقة.
وحول مساعي وقف الحرب في السودان، قال البرهان إن هناك حديثاً عن جهود ومبادرات لوقفها، إلا أن وجود ما وصفها بـ"المليشيا" (قوات الدعم السريع) ومن يقف خلفها يحول دون تحقيق ذلك، داعياً هذه القوات إلى ترك السلاح.
وأضاف أن مجلس السيادة السوداني "سعى منذ بداية الحرب إلى إيقافها ووافق على جميع المبادرات المطروحة، لكن الطرف الآخر رفض"، مشيراً إلى أن وقف الحرب ممكن اليوم، إلا أن مطالب السودان لم تتغير منذ اتفاق جدة عام 2023، وعلى رأسها نزع سلاح قوات الدعم السريع وتجميعها في أماكن محددة ثم النظر في أمرها.
وشدد البرهان على أن الحل يجب أن يكون "سودانياً-سودانياً"، وأن الحل السياسي يجب أن يسبقه حل للوضع العسكري، معتبراً أن من يتحدث عن مزج الحلول لديه مصلحة في استمرار وجود قوات الدعم السريع.
وفي السياق ذاته، قال البرهان إن السودان يثق في نوايا السعودية ومصر، والإدارة الأمريكية مؤخراً، وفي قدرتهم على المساهمة في حل المعضلة السودانية وضمان استدامة الحل مستقبلاً.
وختم البرهان بدعوة الرئيس الأمريكي ترامب، قائلاً: "إذا كان الرئيس ترامب يريد أن يكون رجل سلام لهذا العام، فعليه النظر إلى القضية السودانية وحلها، ونقول له إنك تستطيع أن تفعل ذلك. (تي آر تي عربي)
يبدو أن زيارة البرهان لأنقرة امتداد - لا قطيعة - لزيارة السعودية البقرة الحلوب لأمريكا؛ وسيسي مصر الديكتاتور المفضل لترامب. فزيارة الرياض مثلت بوابة الشرعية السياسية والمسار التفاوضي، أما القاهرة فتمثل عمق الأمن والسيادة، بينما تقدم أنقرة، اللاعب الإقليمي في سوريا ولبنان، لأمريكا مساحة لحركة إضافية للبرهان وتمنحه ورقة تنسي شعب السودان الهزائم الماضية وتوقف العمليات العسكرية في الوقت الحالي. البرهان ينفذ مخطط أمريكا لانفصال دارفور بإيجاد السيناريو الليبي بإيجاد حكومتين وجيشين.. ولذلك توقفت العمليات العسكرية. فكان لا بد من أعمال توهم الناس باستمرار الحرب حتى تلتف حول البرهان ولا يفقد شعبيته.
إن هؤلاء الرؤساء أشباه الحكام يقومون بأعمال مكوكية تشبه العمل السياسي وهم أبعد عنه وعن ما يوصف به رجل الدولة؛ لأنهم عملاء في دول وظيفية تخدم الغرب الكافر. إن رجل الدولة هو الذي يرعى شؤون أمته، لا يعرف الكذب والخداع، بل يقوم بما يقوم به الأنبياء. عَنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِيَاءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وإنَّه لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ»، قالوا: فَما تَأْمُرُنَا؟ قالَ: «فُوا ببَيْعَةِ الأوَّلِ، فَالأوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فإنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان






















رأيك في الموضوع