تحت عنوان "الإشغال اليومي للسيطرة على الأتباع"، نشر الكاتب عبد الله الجديع مقالا عبر صحيفة الوطن السعودية وموقع العربية وغيرهما، تحدث فيه عن مؤامرة قيام الأحزاب بإشغال أتباعهم بحيثيات وأفكار وأحداث مصطنعة ومُبالغ فيها من أجل ضمان بقائهم تحت السيطرة ومنشغلين بعيدا عن التفكير والتأمل في الغاية والمنهج. وضرب مثالا على ذلك حزب التحرير، واستغل ذلك مدخلا لكيل التهم والتعيّب على الحزب ومهاجمته دون أن يسوق أدلة أو إثباتات على افتراءاته وما ذهب إليه، بل برز عنده غاية الإعابة على الحزب حتى لو خالف المنطق السليم، فمثلا وصف الحزب بـ"الشيخوخة" بدلا من أن يقول "العَراقة" والتي هي مصطلح ينطبق على الجماعات التي تستمر وتواصل عملها لعقود طويلة أو حتى قرون فتكتسب خبرة كبيرة وعراقة تجعلها رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، وهو شيء تمدح به ولأجله الجماعات لا تُذم، ولكن الكاتب استخدم مصطلح الشيخوخة بدلا من العَراقة وكأن حزب التحرير رجل واحد أو بضعة رجال كبروا وشاخوا ولم يعودوا يقوون على القيام بشيء! مع أن المشاهد المحسوس يكذب هذا الزعم بل الافتراء ويدحضه، وحتى أعداء الأمة الإسلامية ومراكز أبحاثهم المعتبرة أكدوا على انتشار حزب التحرير وتوسعه في أكثر من 40 دولة عبر العالم، وبروزه في مناطق كقوة حزبية أولى.
وعودة على فكرة الإشغال أو التلهي، فهذه مسألة نتفق مع الكاتب في خطورتها إن وُجدت لدى حزب التحرير أو غيره من الجماعات، بل وسبق أن حذر حزب التحرير في أدبياته من التلهي بمعارضة الأمور الشكلية والجزئية لدى الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية أو التلهي بالأعمال الفرعية التي هي في الحقيقة تخدم هذه الأنظمة وتصرف الأنظار عن التغيير الجذري الذي تحتاجه الأمة الإسلامية، وهو ما حرص حزب التحرير عليه في مسيرته الكفاحية الطويلة فجعل الغاية من عمله صوب عينيه في كل أسلوب أو وسيلة أو نشاط، ولم يسمح لنفسه بأن ينصرف إلى حيث يريد حكام دول الضرار والغرب الكافر المستعمر، بأن يشتغل ببسائط الأمور وتفاصيل الأحداث، والتي غالبا ما كانت الأنظمة الخائنة تصطنعها لإلهاء الشعوب، وهو ما كان بحد ذاته محلا لقصيري النظر للإعابة على الحزب لكونه لا يترك فكرته وطريقته ويحصر نشاطه فيما يؤدي إلى تحقيق تلك الغاية بشكل مباشر، حتى وصفه البعض بالجمود!
فمسألة التلهي أو الإلهاء إنما تكون لدى الجماعات المصطنعة أو الخاوية من الأفكار المبدئية أو المرتبطة بالأنظمة، والتي تستعملها كمخدر للشعوب، أما حزب التحرير فهو حزب مبدئي يستقي فكرته وطريقته من الشريعة الغراء، ويختار لها الأساليب والوسائل التي تتوافق مع رقي الفكرة وجديتها، تماما كما كان رسول الله ﷺ في دعوته التي تتوجت بإقامة دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة.
والأفكار التي نعمل على نشرها وتحويلها إلى قناعات لدى الأمة الإسلامية كثيرة بالكاد نستطيع أن نعمل عليها بالأعمال والنشاطات اللازمة لنشرها في ظل العمل الدؤوب من الحكام الخونة وأذنابهم وحركاتهم وكتابهم ووسطهم السياسي ومن خلفهم الاستعمار للصد عن سبيل الله والوقوف في وجه دعوة الحزب التي يرون خطرها على عروش الحكام وأنظمة الضرار القائمة في البلاد الإسلامية.
فحزب التحرير بكل فخر يصل ليله بنهاره، ويواصل عمله عبر القارات الخمس من أجل استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، دون أن يقبل بأقل منها أو دونها، ودون أن يقبل بالارتماء في أحضان الأنظمة أو الاستعمار أو الاستعانة بهم أو الركون إليهم، وهو متمسك بفكرته وطريقته الشرعيتين، وكله أمل في أن ينصره الله كما نصر عبده ورسوله الصادق الأمين عليه و.
أما إنجازات حزب التحرير التي لم يرها الكاتب أو تجاهلها!، فيمكنه أن يراها في أعين الأنظمة التي ترتعد فرائصها من عمل الحزب وفكرته حتى جعلت مجرد الانتماء له أو تأييده جريمة يستحق عليها الشاب سنوات من السجن إن لم يكن العشرات كما في بعض الدول، أو يمكنه أن يسمعها من أفواه قادة الاستعمار وهم يحذرون من مشروع الخلافة الذي يرون الحزب على وشك إنجازه، وليس آخرها قبل أيام قليلة، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد، التي حذرت قائلة: "هناك تهديد لا نتحدث عنه بما يكفي.. أعظم تهديد قريب وبعيد المدى لحريتنا وأمننا.. إنه الأيديولوجيا الإسلاموية، لأنها تسعى إلى إنشاء خلافة عالمية تحكمنا هنا في أمريكا، وتهدّد الحضارة الغربية، من خلال الحكم بالشريعة، والحكم بما يسمّونه مبادئهم الإسلامية، وإذا فشلت في الامتثال سيستخدمون العنف أو أيّة وسيلة يرونها ضرورية لإسكاتنا"، أو يمكنه أن ينتظر حتى يفيق ذات يوم وقد رأى الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة قد أقيمت وزلزل نبأ إقامتها الأرض من تحت عروش الغرب الكافر المستعمر وعروش أذنابه وأعوانه، قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم: "إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها"، وقال عليه وآله الصلاة والسلام: "ليبلغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ وأهلَه وذلًّا يذلُّ اللهُ به الكفرَ"
وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
بقلم: المهندس خليل عبد الرحمن


























رأيك في الموضوع