كانت آسيا الوسطى منذ القدم إقليماً واحداً ودولة واحدة، وكانت أراضيها شديدة الخصوبة، وشعبها موحداً في العقيدة، يعتنق العقيدة السُّنِّيَّة، ويلتزم بالمذهب الحنفي. وقد كانت هذه المنطقة إقليماً غنياً مزدهراً، يتميّز بمستوى عال من الحضارة والثقافة، وتنعم شعوبه بالرخاء والازدهار.
كان العالم بأسره ينظر إلى آسيا الوسطى على أنّها دولة واحدة متكاملة وإقليماً واحداً غنياً واسع الثروات. وعندما اجتاحها الروس، واصلوا الاحتلال والتوسع العسكري حتى تمكّنوا من إخضاعها والسيطرة عليها بالكامل. وبعد أن أحكموا سيطرتهم التامة عليها، قاموا بتقسيمها بصورة مصطنعة إلى خمسة كيانات، وذلك لتسهيل إدارتها والتحكم بها.
حوَّلت روسيا آسيا الوسطى إلى حديقة خلفية غنيّة بالمواد الخام تابعة لها، وجعلت من كل دولة فيها مستعمرة منفصلة، بحيث لا تستطيع أن تطوّر نفسها ذاتياً ولا أن تنتج صناعات مستقلة خاصة بها. وقامت بتحويل شعوب المنطقة إلى مجرّد أياد عاملة مهمتها تزويدها بالمنتجات الزراعية والمواد الأولية. فخصّصت أوزبيكستان لزراعة القطن، وكازاخستان لزراعة القمح، وقرغيزستان لتربية الثروة الحيوانية، وطاجيكستان لإنتاج الفواكه والخضروات، وتركمانستان لتربية الماشية. كما قامت بنهب جميع الثروات المعدنية في آسيا الوسطى، وأخذتها كمواد خام لتُصنَّع في مصانعها، دون أن يكون لشعوب المنطقة نصيب حقيقي من التصنيع أو القيمة المضافة.
حتى بعد عام 1991م، وعلى الرغم من أن آسيا الوسطى نالت استقلالها الشكلي عن روسيا، إلّا أن روسيا ما زالت تنظر إليها بوصفها قاعدة للمواد الخام وحديقة خلفية لها.
وبعد أن حصلت دول آسيا الوسطى على الاستقلال، انهارت المنظومة الشيوعية المفروضة قسراً، بما في ذلك عقيدتها السياسية ونظامها الاقتصادي، فتفكّك كل شيء، وخرجت الأوضاع عن مسارها الطبيعي. ونتيجةً لذلك، اضطر عشرات الملايين من الناس إلى مغادرة بلادهم بحثاً عن فرص العمل والرزق، فتحوّلوا إلى عمّال مهاجرين في روسيا، وتركيا، وكوريا الجنوبية، وغيرها من الدول.
وأمام التفكّك الشامل الذي أصاب هذه المنطقة وتحوّلها إلى دول فقيرة منهكة، بدأ قادتها يمارسون سياسة الاستجداء، طالبين القروض من الدول الغربية، ومن روسيا وأمريكا والصين.
وقد شرعت الدول الغربية وأمريكا في تقديم القروض بشروط قاسية للغاية وبعد فترات انتظار طويلة ومهينة، وكانت من أبرز شروطها إنفاق هذه القروض في قطاعات غير إنتاجية لا تدر عائداً اقتصادياً حقيقياً، مثل بناء الطرق أو مشاريع تزويد الناس بالمياه.
ولضمان تنفيذ هذه الشروط، قامت تلك الدول بإرسال خبرائها ومراقبيها لمتابعة كيفية صرف القروض والإشراف المباشر عليها. وفي الواقع، لم يُنفَق من تلك القروض سوى نحو ثلاثين في المائة فقط، بينما جرى تعليم قادة الدول كيفية فتح شركات أوفشور في الخارج وأساليب اختلاس الأموال وتحويلها.
وهكذا، أُلقي عبء الديون على كاهل الشعوب، ديون يستحيل سدادها، في حين كانت الديون الخارجية للدولة تتفاقم يوماً بعد يوم، بينما كان الحكام يرهنون الثروات الطبيعية والمعدنية للحصول على قروض جديدة، ثمّ وعندما يحين الوقت، كانوا يفرّون إلى دول أجنبية ويتركون البلاد غارقةً في ديونها وأزماتها.
تعمل الدول الغربية وفق مبدأ "خُذ ثم اطلب والتزم بالشروط"، فتُمرِّر القروض بدهاء وحسابات دقيقة، وتستخدمها أداة لفرض نفوذها السياسي والاقتصادي وتوسيع دائرة تأثيرها. وفي الوقت نفسه، تسعى لتقليص نفوذ روسيا في المنطقة، عبر آلية القروض المشروطة والارتباطات المالية والاقتصادية التي تجعل الدول المدينة خاضعة لإرادتها ومقيّدة بشروطها وسياساتها.
وعلى خلاف الدول الغربية، فإن الصين لا تفرض عند تقديم القروض ذلك الكمّ من الشروط السياسية والإجرائية، ولا ترسل مراقبين أو خبراء لمتابعة كيفية إنفاق الأموال. فهي تدرك جيداً أن قادة تلك الدول سيقومون بنهب هذه القروض، وأنهم لن يوجّهوها إلى إنشاء مصانع أو مشاريع إنتاجية، كما تعلم مسبقاً أن الدولة لن تكون قادرة على سداد ديونها في موعدها. وتقوم الصين بتقديم القروض بسهولة وسرعة كبيرتين، لكنها، عندما يحين موعد السداد، لا تقبل التأجيل أو التساهل، بل تمارس ضغطاً شديداً وحازماً. فإذا عجزت الدولة عن السداد، تقوم الصين بالاستيلاء على الأراضي والسيطرة على المناجم والثروات الطبيعية، وتحوّلها إلى ممتلكاتٍ خالصة لها تعويضاً عن الديون غير المسدَّدة.
وبسبب سهولة الحصول على القروض الصينية دون رقابة أو شروط واضحة، بدأ قادة الدول يتنافسون فيما بينهم على الاقتراض من الصين، واضعين الدولة وشعوبها ومستقبلها على طاولة المقامرة. وفي عام 2025م، أصبحت الصين أكبر دولة مانحة للقروض لآسيا الوسطى.
ولا تكتفي الصين بتقديم القروض فحسب، بل تُرفقها أيضاً بـإرسال فرق عملها وخبرائها وعمّالها إلى المنطقة. بل وصل الأمر إلى أن أوزبيكستان قامت بمصادرة أراض زراعية من فلاحيها وسلّمتها إلى مزارعين صينيين.
وفي الوقت الراهن، تدفّق عشرات الآلاف من الصينيين إلى قرغيزستان، حيث استقرّوا في المناجم، ومشاريع الطرق، ومشاريع الإسكان. كما قامت كازاخستان وأوزبيكستان بإقامة علاقات دخول مباشر دون تأشيرة، الأمر الذي سهل التدفق البشري والاقتصادي الصيني. وأصبح المشهد اليوم أن الصينيين يتمدّدون في كل مكان، وفي كل قطاع، وفي جميع دول آسيا الوسطى، حتى بات حضورهم واضحاً في كل خطوة وكل مجال.
ديون آسيا الوسطى الخارجية بحسب تقديرات 2025-2026: كازاخستان 172 مليار دولار، أوزبيكستان 77 مليار دولار، قرغيزستان 12 مليار دولار، طاجيكستان 7 مليارات دولار، تركمانستان حوالي 5 مليارات دولار؛ ما يجعل الإجمالي التقريبي 273 مليار دولار.
يُلاحظ أنّ الديون في كازاخستان وأوزبيكستان تتزايد بسرعة. بينما قرغيزستان وطاجيكستان لديهما ديون أقل، لكن نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي كبيرة.
تنظر الدول مانحة القروض لآسيا الوسطى بوصفها منطقة واحدة متكاملة وفرصة اقتصادية شاملة، وليس كأنها دول منفصلة أو كيانات متفرقة. فهي تمنح القروض لجميع الدول في الوقت ذاته، دون استثناء أحد، مستغلة بذلك الوضع الاقتصادي المتكامل للمنطقة لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي على نطاق أوسع.
يا مسلمي آسيا الوسطى، إنّ أرضكم واحدة، وإنّ بلدكم واحد، فاجتمعوا ولا تفرقوا بينكم. إنّ ترابكم غني بالذهب، وأراضيكم خصبة، وكنوزكم الطبيعية قادرة على جعل مئات الدول مزدهرة وغنية. أنتم لا تحتاجون إلى الديون الخارجية، بل إنّ الدول الكبرى كلها بحاجة إليكم. إنهم، عبر حكام ضعفاء وعملائهم المحليين، يسعون إلى فرض الديمقراطية كما يريدون، وإجباركم على قبول حقوق الإنسان التي يضعونها، وتوجيه أموالكم إلى قطاعات لا تجلب أي منفعة حقيقية، مع تقديم قروض صغيرة لا تساوي شيئاً، ليجعلوكم أذلاء ومنفصلين عن دينكم.
لا تصدقوهم، ولا تخدعوا أنفسكم. إنّ قوتكم وإسلامكم تكمن في إعادة بناء قائد رشيد يطبق أحكام الشريعة في دولته الحقيقية، ويحمي أرضكم، دينكم، ومستقبلكم.
بقلم: الأستاذ أحمد هادي






















رأيك في الموضوع