إن الشباب الذين نراهم اليوم بين ضياعٍ وانكفاء، ليسوا عاجزين، بل لم يُعطَوا الفكرة التي تُحرّكهم في الاتجاه الصحيح. وحين تقدم لهم الفكرة الواضحة، المرتبطة بعقيدتهم، والمتصلة بواقعهم، فإنهم يتحولون من عبء على التغيير إلى وقوده الحقيقي. فإن السؤال ليس: متى يتغير الواقع؟ بل: متى ندرك نحن أن تغييره مسؤوليتنا. وإن أول خطوة في ذلك، هي أن نرفض أن يكون الواقع هو الذي يعرف لنا الحق. ليست المشكلة أن ندرك اختلال الواقع فحسب، بل أن نحدد موقعنا منه: هل نذوب فيه فنعيد إنتاجه، أم نرتفع عنه بمقياس الحق فنغيره؟
إن الوعي الذي لا يعيد ترتيب الأولويات، ولا يولد موقفاً واضحاً، يبقى معرفةً باردة لا تحرك ساكناً. فإن الوعي لا قيمة له إن بقي فكرة في الذهن، ولا يتحول إلى قوة مؤثرة إلا إذا حمله صاحبه وسار به في الواقع.
إن الأفكار العظيمة لا تحفظ في الكتب، بل تحمل في الصدور، وتترجم إلى مواقف، وتتحول إلى عمل منظم يهدف إلى التغيير، لا إلى التكيّف.
ولذلك، فإن المسؤولية اليوم لا تقف عند حدّ الفهم، بل تبدأ منه؛ أن يبحث الإنسان عن الطريق الذي يجعل هذا الوعي مشروعاً حياً، وعن العمل الذي يُخرجه من دائرة التأمل إلى ميدان التأثير. فلا يكفي أن ترى الخلل، ولا أن تُدرك الانحراف بل لا بد أن تكون جزءاً من عملية التغيير نفسها، على أساسٍ واضح، وفكرةٍ محددة، ومنهجٍ ثابت.
فالتاريخ لم يتغير يوماً بأفراد متفرقين، بل بتكتل واعٍ، يحمل فكرة، ويسير بها بثبات، حتى يفرضها واقعاً.
فلتكن نقطة الانطلاق من هنا: أن نرفض أن يكون الواقع هو المرجع، وأن نعيد بناء نظرتنا على أساس ما نؤمن أنه حق، ثم نتحمّل مسؤولية السير به، مهما بدا الطريق طويلاً.






















رأيك في الموضوع