لم يكن مفاجئاً التصعيد الحاصل في ولاية النيل الأزرق، فقد رصدت تحركات في جنوب السودان منذ فترة بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في أعداد المرتزقة الجنوبيين، الذين انضموا إلى صفوف قوات الدعم السريع، ولم تمض فترة طويلة حتى ظهرت تقارير إعلامية موثقة، تؤكد إقامة معسكر كبير داخل الأراضي الإثيوبية لتدريب وإسناد قوات الدعم السريع. كما نشرت صحيفة لوموند الفرنسية في موقعها الإلكتروني يومي 18 و19 آذار/مارس الماضي، تحقيقاً استقصائيا عن رحلات جوية بلغت 36 رحلة خلال أربعة أشهر من نهاية العام الماضي، وبداية العام الحالي، لنقل السلاح إلى هذه المعسكرات.
وبالرغم من أن الحكومة السودانية على علم بهذه المعسكرات إلا أنها لم تقم بأي عمل جدي ضد إثيوبيا، سوى بيانات للاستهلاك المحلي! ففي بداية الشهر الماضي أصدرت الخارجية السودانية بيانا قالت فيه (ظلت حكومة السودان تتابع طوال شهر شباط/فبراير ، وبداية آذار/مارس دخول طائرات بدون طيار من داخل الأراضي الإثيوبية)، معتبرة ذلك انتهاكاً سافرا لسيادة السودان، وعدوانا صريحاً على الدولة السودانية!
ولم تستدع سفير إثيوبيا لديها للاحتجاج على هذا التصرف، ولم تقم بعمل لإيقاف هذه المعسكرات، أو على الأقل ضربها! وفي 24 آذار/مارس الماضي سقطت مدينة الكرمك الاستراتيجية بيد قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال، حيث اتهم الجيش السوداني إثيوبيا بالضلوع في دعم قوات الدعم السريع، بما في ذلك إطلاق طائرات مسيرة، انطلاقاً من أراضيها باتجاه السودان. كما أكدت حكومة ولاية النيل الأزرق في بيان رسمي، أن القوات التي نفذت الهجوم انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، مشيرة إلى أن مركبات عسكرية وصلت عبر مطار عروس. كما وصف والي ولاية النيل الأزرق ما جرى بأنه غزو، في إشارة إلى إثيوبيا.
وبالرغم من كل هذه التصريحات والاتهامات المباشرة لإثيوبيا، لم تقم حكومة السودان بأي عمل جدي تجاه إثيوبيا، ما يعني أن هنالك تواطؤا في هذا الأمر كي يتعقد المشهد أكثر مما هو عليه اليوم. ولكي يقال إن قوات الدعم السريع لا تُقهر، وأنه لا يمكن الانتصار عليها، لذلك لا بد من التفاوض معها، والاعتراف بوجودها، ثم السماح لها بسلخ دارفور، بل وتهيئة منطقة النيل الأزرق لتكون السيناريو القادم في مسلسل تفتيت السودان!
إن سقوط الكرمك ليس أمراً يستهان به، فهي منطقة استراتيجية بسبب موقعها الحدودي، كما تمثل عقدة ربط حيوية بين طرق برية تمتد نحو إثيوبيا، وجنوب السودان، ما يمنح السيطرة عليها قدرة على التحكم في خطوط الإمداد العسكري. كما أن الطبيعة الجبلية للمنطقة يجعلها نقطة مثالية للمراقبة والرصد، الأمر الذي ينعكس مباشرة على موازين القوى في ولاية النيل الأزرق، والمناطق المجاورة.
إن أسوأ ما في هذه الحرب، أن الذي يدفع تكلفتها مادياً ومعنوياً وجسدياً هو الإنسان البسيط الأعزل الذي لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أن أرضه التي يسكنها، ومكان معاشه أضحى ساحة للحرب، فيدفع هو نتيجة هذه الحرب نزوحا وتشريدا، بعد أن فقد كل ما يملكه. ففي كل مرة تدور فيها الحرب، سواء في دارفور، أو في وسط السودان الخرطوم، أو في كردفان أو في الجزيرة، أو في غيرها، تكون الكلفة الإنسانية باهظة جداً، وهذه الكلفة هي التي يدفعها الناس اليوم بعد سقوط الكرمك وغيرها من المناطق في النيل الأزرق، حيث نزح الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال، بحثاً عن الأمان، في ظل تصاعد المعارك في إقليم النيل الأزرق، الذي أعلن حاكمه أحمد العمدة بادي، عن وصول تعزيزات عسكرية للجيش السوداني، تمهيداً لاستعادة مدينة الكرمك، في وقت أعلنت فيه المنظمة الدولية للهجرة عن نزوح آلاف الأشخاص من المدينة في الفترة بين 14 شباط/فبراير، و24 آذار/مارس، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، وتصاعد الاشتباكات. كما طالبت شبكة أطباء السودان المنظمات الدولية والإنسانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة بالتدخل الفوري، لتقديم الدعم العاجل، وتوفير المساعدات الإنسانية بما في ذلك الغذاء والدواء والمأوى، وضمان وصول الإغاثة للمتضررين، محذرة من تفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية وسط النازحين، خاصة مع غياب الخدمات الصحية وانتشار الأمراض، وسوء التغذية.
وبهذا نرى أن سياسة شد الأطراف التي تنتهجها أمريكا في السودان، تؤتي أكلها، فقد نجحت في شد الجنوب حتى بترته من السودان، والآن سياسة الشد على أشدها في دارفور، بعد أن مكنت عميلها حميدتي من الاستيلاء على كامل دارفور، إلا من جيوب صغيرة لا تؤثر كثيراً على المشهد العسكري أو السياسي، ثم إنها غضت الطرف، بل ربما بإيعاز منها، بتكوين حكومة موازية في دارفور.
إن الحرب في النيل الأزرق ليست كما كانت في دارفور، أو حتى في مناطق قريبة منها في غرب أو شمال كردفان، وإنما أصبحت تنتقل إلى أماكن أخرى، كما حدث في جنوب كردفان، وحرب بالمسيّرات في كثير من المدن، في كوستي، وربك والأبيض مثلاً، يدفع ثمنها الإنسان العادي.
والآن المسرح أصبح في ولاية النيل الأزرق، كل ذلك لإطالة أمد الحرب، وإيجاد اليأس عند الناس بأن هذه الحرب لن تنتهي بانتصار الجيش على هذه الحركات المتمردة، وبالتالي عليهم أن يقبلوا بما تمليه عليهم أمريكا، ولو كان فصل دارفور وسلخه من جسم السودان هو الثمن، كما حدث في جنوب السودان، حيث مرت المؤامرة دون أن يتحرك أهل السودان لمنعها! والآن إذا لم يتم التحرك بشكل جدي لمنع أمريكا وعملائها من تنفيذ مؤامرة تفتيت السودان بسلخ دارفور، فسيأتي علينا يوم نتحسر فيه على تفريطنا في وحدة بلادنا، والسماح لأمريكا عبر عملائها، أن تنفذ رغبتها في تفتيت ما تبقى من السودان. وعليه كان لا بد من الأخذ على أيدي العابثين بوحدة السودان، والعمل الجاد من أجل إقامة دولة مبدئية، تعمل على توحيد السودان، وتقطع يد العابثين بمقدراته. وبما أن السودان غالب أهله مسلمون، فالأصل أن نقيم دولتنا على أساس الإسلام العظيم، الذي يساوي بين الناس مهما اختلفت أجناسهم أو أديانهم، يساوي بينهم في الحقوق والواجبات، على أساس ما يقول به الشرع الحنيف، في ظل دولة الإسلام، الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.
الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان






















رأيك في الموضوع