لم يكن الحديث عن رفع أو تعليق العقوبات عن سوريا بريئاً ولا إنسانياً كما جرى تسويقه إعلامياً، بل جاء محمّلاً بشروط ثقيلة، تكشف بوضوح انتقال الضغط من صيغة العقوبات الشاملة إلى صيغة أكثر خطورة وعمقاً وهي الرقابة السياسية المباشرة، والإشراف على القرار السيادي، وربط التعافي الاقتصادي بسقف الرضا الأمريكي.
إن ما يُطرح اليوم ليس خروجاً من قانون قيصر، بل إعادة إنتاجه بأدوات أنعم، وأكثر تدخلاً، وأشد التصاقاً بمفاصل الدولة والمجتمع.
منذ اللحظة الأولى، جرى تصوير تعليق العقوبات كإنجاز أو فرصة تاريخية، مع تجاهل حقيقة أساسية وهي أن العقوبات نفسها كانت ظلماً وعدواناً، استهدفت الناس بالدرجة الأولى في كل حياتهم؛ في معاشهم ودوائهم وقوتهم. وعليه، فإن رفع القانون ليس مِنّة، ناهيك أن تدفع له مقابلا. لكن أمريكا، كما هي عادتها، لا تتنازل عن أدوات الضغط، بل تبدّل أشكالها وفق مقتضيات المرحلة.
قانون قيصر في جوهره، لم يكن مجرد عقوبات اقتصادية، بل كان إطاراً سياسياً لفرض مسار محدد على سوريا، عنوانه إعادة هندسة الحكم، وضبط البيئة السياسية والأمنية، وربط إعادة الإعمار والاقتصاد بشروط الانتقال السياسي وفق الرؤية الأمريكية. ومع سقوط نظام بشار، كان المتوقع - لو كان الغرب صادقاً - أن تُرفع العقوبات تلقائياً، باعتبارها فُرضت على نظام لم يعد قائماً. لكن الذي حصل هو العكس تماماً حيث جرى تثبيت العقوبات، ثم فتح باب التخفيف المشروط، بما يحوّلها من عقوبة جماعية إلى أداة ابتزاز دقيقة.
الصورة التي تتصدر الحديث اليوم، والمتعلقة بشروط الكونغرس الأمريكي لإلغاء قيصر، تعبّر بوضوح عن هذا التحول. فالشروط لا تتعلق بإغاثة الناس أو إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل تتركز حول ملفات أمنية وسياسية حساسة: مكافحة الإرهاب وفق تعريف أمريكا، إنهاء دور من تصفهم بـالمقاتلين الأجانب، حماية العرقيات الصغيرة بمعايير مفروضة، ضبط القرار العسكري. كل ذلك تحت سقف زمني محدد، مع خطوات يمكن تسميتها أزرار إعادة ضبط المصنع تتيح إعادة العقوبات فوراً إذا خرج المسار عن الخط المرسوم.
التصريحات الأخيرة كانت أكثر صراحة من أي وقت مضى. وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لم يتحدثوا عن رفع نهائي للعقوبات، بل عن "خارطة طريق"، و"مراقبة عن كثب"، و"العدول عن القرار عند اتخاذ خطوات خاطئة". أي أننا أمام نظام رقابة مستمر، لا يختلف في جوهره عن الوصاية، حيث يمنحهم حق تقييم السياسات الداخلية، والحكم على توجهات الدولة، والتدخل عند الحاجة. حتى إعادة فتح السفارات لم تُطرح بوصفها تطبيعاً دبلوماسياً، بل كوسيلة ليكونوا حاضرين بشكل مباشر بأعينهم وآذانهم داخل دمشق.
الأخطر من كل ذلك، هو الربط الصريح بين تخفيف العقوبات وبين شكل الحكم. فالتأكيد المتكرر على "الحكم الشامل غير الطائفي"، و"الدولة العلمانية"، يكشف أن المسألة ليست اقتصادية، بل فكرية وسياسية بامتياز. أمريكا لا تخشى الفوضى بقدر ما تخشى أن يملأ الإسلام الفراغ السياسي، كنظام حياة وحكم، خارج القوالب الرأسمالية التي اعتادت فرضها. ولهذا تُستدعى عناوين "محاربة التطرف" و"حماية الأقليات" لتكون عصا جاهزة عند أي انحراف عن النموذج المطلوب.
بهذا المعنى، فإن الانتقال من العقوبات إلى الرقابة ليس تخفيفاً للضغط، بل إعادة تنظيم له. في مرحلة قيصر، كان الضغط خشناً، واسع الأثر، لكنه مكلف سياسياً. أما اليوم، فالضغط بات انتقائياً، ومشروطاً، ومصحوباً بخطاب إنساني وإعلامي ناعم، مع قدرة أكبر على التدخل المباشر في تفاصيل القرار السياسي والاقتصادي. إنها محاولة لإدارة سوريا من الخارج، لا عبر الاحتلال العسكري، بل عبر الاعتراف الدولي.
إن القفز على هذه الحقائق، والاحتفاء برفع العقوبات، لا يخدم إلا إعادة إنتاج الوهم. فالتجربة التاريخية مع الغرب، في سوريا وغيرها، تؤكد أن كل تنازل يُطلب اليوم، سيتبعه طلب آخر غداً، وأن سقف الشروط لا يقف عند حد. من يربط لقمة عيشه برضا الخارج، سيجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ أي قرار مستقل، مهما كان بسيطاً.
المطلوب اليوم ليس خطاب طمأنة للغرب، ولا سباقاً لإرضائه، بل قراءة واعية لطبيعة المعركة السياسية بعد سقوط النظام. فالمعركة لم تنتهِ، بل تغيّر شكلها. وعليه فإن استقلال القرار، وبناء الاقتصاد على أساس الاعتماد على الذات، واستثمار الموارد المتاحة، وترتيب الأمن الداخلي بعيداً عن الإملاءات الخارجية، هي عناصر أساسية لتفويت فرصة الوصاية الجديدة. أما الرهان على تعليق العقوبات أو إلغائها كطريق للخلاص، فهو رهان على سراب.
ختاماً، فإن ما يجري اليوم هو اختبار حقيقي، فإما أن تُستكمل تضحيات السنين بقرار سيادي حر، يرفض تحويل البلاد إلى ساحة تجارب سياسية واقتصادية، وإما أن يعاد إنتاج التبعية بأدوات أكثر نعومة. وبين هذا وذاك، يبقى الثابت أن أمريكا ومن معها لم يكونوا يوماً، ولن يكونوا، حريصين على مصلحة هذه الأمة، وأن طريق العزة لا يفتح بمفاتيح واشنطن، بل بإرادة داخلية واعية، لا تبيع القرار مقابل تخفيف مؤقت للحصار.
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا






















رأيك في الموضوع