لقد بات العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى في أمسّ الحاجة إلى حضارة تعيد للإنسان قيمته، وللجسد حرمته؛ حضارة لا ترى الإنسان آلة إنتاج، ولا جسداً للاستهلاك، ولا رقماً في السوق، بل كائناً مكرّماً له غايته ورسالته. حضارة لا بوصفها خطاباً وعظياً، ولا ذاكرة تاريخية، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً يمزج بين الروح والمادة، ويوازن بين الحرية والمسؤولية، ويجعل القيم النبيلة شرطاً للتقدّم لا عائقاً أمامه. حضارة لا يكون فيها الإنسان "حيواناً متطوّراً"، بل مخلوقاً مكرّماً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، حضارة لا يكون فيها الإنسان كائناً تائهاً بلا غاية، ولا عبداً لشهواته، بل صاحب إرادة كما أراده الله أن يكون: خليفة في الأرض، مستخلفاً لا متسلّطاً.
إن العالم الذي أرهقته الازدواجية، وفضحته تناقضات قادته، واختنق تحت وطأة حضارة استهلاكية بلا روح، بحاجة إلى نموذج يعيد التوازن؛ نموذج لا يرفع شعار الحرية ليبرّر الانحلال، ولا يرفع شعار القيم ليُكرّس الاستبداد. فالحضارة الإسلامية ليست مشروع هيمنة، بل مشروع إنقاذ للإنسان والمجتمع من التفكّك والضياع، وللسياسة من الانفصال عن الأخلاق. وحين تُحفَظ كرامة الإنسان، وتُضبط الشهوة بالقيم، وتُربط السلطة بالأمانة، حينها فقط يمكن أن نتحدّث عن حضارة.






















رأيك في الموضوع