لم تكن فنزويلا يوماً بعيدة عن أمريكا، غير أنّها تحوّلت في عهد نيكولاس مادورو من دولة تدور في فلكها إلى عقدة جيوسياسية في خاصرتها. ومن حينها، لم يعد الصراع يدور حول حقوق الإنسان أو نزاهة الانتخابات، بقدر ما أصبح صراعاً على من يملك القرار، ومن يسيطر على الثروة، ومن يرسم خرائط النفوذ.
رفعت إدارة ترامب شعار "إنقاذ الشعب الفنزويلي"، كما رفعت شعارات مشابهة في أماكن أخرى من العالم، لكنّ التجربة التاريخية تثبت أن أمريكا لا تعادي الاستبداد بحدّ ذاته، بل تعادي الأنظمة التي تخرج عن طاعتها. فكم من أنظمة أشد قمعاً من نظام مادورو حظيت بدعمها المطلق، لا لشيء إلا لأنها فتحت أسواقها، وسلّمت قرارها، وربطت أمنها بإرادتها.
إذن، فالمشكلة ليست في كيف يحكم مادورو، بل هي لحساب ولمصلحة من يحكم؟
النفط هو جوهر الصراع الصامت؛ إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وهذه الحقيقة وحدها كافية لفهم حدّة الاستهداف. وتزداد الخطورة في المنظور الأمريكي، حين جرى إقصاء الشركات الأمريكية، وتوجيه جزءٍ كبير من الصادرات النفطية نحو الصين وروسيا.
بهذا المعنى، لم يكن مادورو مجرد رئيسٍ لدولة نفطية، بل كان حارساً لثروةٍ استراتيجية خرجت من دائرة سيطرة أمريكا، وهي في عرفها الاستعماري جريمة لا تُغتفر!
ويبدو أن تقارب روسيا والصين من فنزويلا شكل كسراً صريحاً لمبدأ مونرو؛ ذلك المبدأ الذي تعتبر أمريكا، منذ أكثر من قرن، بموجبه أن أمريكا اللاتينية مجالها الحيوي الخالص. غير أنّ فنزويلا فتحت أبوابها لمحوري الصين وروسيا من دون إذن أمريكا، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: دولة "متمرّدة" تستضيف خصوم الولايات المتحدة في مجالها الجغرافي المباشر، وهو ما يُعدّ تحدياً استراتيجياً غير مقبول في العقل السياسي الأمريكي.
كما تخشى أمريكا من تحوّل هذا النموذج إلى إغراءٍ لدول أخرى، ومن شيوع فكرة التحرّر من الهيمنة وكسر "قداسة" البديل الأمريكي بوصفه الخيار الوحيد.
إن ما يجري في فنزويلا يعرّي الخطاب الأمريكي من كل مساحيق الأخلاق؛ فالقضية لم تكن يوماً حرية شعب، بل نفوذاً مهدَّداً، وثروةً خارجة عن السيطرة، ونظاماً رفض أن يكون تابعاً. وهكذا تتكرر الحكاية في كل مكان: من يخرج عن السرب يُحاصَر، ثم يُستهدَف، ليس لأنه طاغية أو ديكتاتور، بل لأنه قرر أن يكون مستقلاً.
وما لم تستعد الشعوب وعيها، وتفكك خطاب "الإنقاذ" القادم من الخارج، ستظل تدفع ثمن صراعاتٍ لا تُخاض من أجلها، بل على حسابها.
كذلك على الأمة الإسلامية أن تعي حقيقة أمريكا، فلا ترجو مساعدتها، ولا تطلب النصر منها، بل يجب أن تتخلص من هيمنتها ومن حكامها الخونة الذين يوالونها، وأن تستقل بقرارها؛ وذلك بإقامة خلافتها الراشدة على منهاج النبوة فتحيا بها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وتنقذ العالم من أمريكا وكل الدول الاستعمارية.
بقلم: الأستاذ مؤنس حميد – ولاية العراق






















رأيك في الموضوع