إن ما فجّر الأحداث في محافظة حضرموت هذه الأيام، هو الإعلان يوم 21/11/2025م عن منح شركة جنة هنت الأمريكية تشغيل قطاع 5 النفطي في محافظة شبوة القريبة من حضرموت، بعد توقفه عن إنتاج النفط منذ تشرين الأول/أكتوبر 2022م، وهذا مترافق مع زيادة سيطرة حلف قبائل حضرموت المدعوم سعودياً والذي أنشأ قوات وبدأ يتمدد ويهدد عملاء بريطانيا، فأطلقت قوات المجلس الانتقالي المدعومة إماراتياً ومن ورائهم بريطانيا يوم 26/11/2025م هجوماً عسكرياً حمل اسم المستقبل الواعد للسيطرة على المنطقة العسكرية الأولى في مدينة سيئون بوادي حضرموت، ظاهره محاربة الإرهاب وتهريب الأسلحة. فسارعت قوات حلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش العليي رئيس مؤتمر حضرموت الجامع في 29/11/2025م باقتحام حقول النفط في بتروسيلة. إلَّا أن قوات الانتقالي واصلت تقدمها تجاههم، لبسط سيطرتها على حضرموت ومحافظة المهرة المجاورة. ما استدعى وصول لجنة من السعودية بقيادة محمد القحطاني، وإطلاق لجنة وساطة محلية للحيلولة دون نشوب مواجهات عسكرية بين قوات الانتقالي وعمرو بن حبريش العليي. وفي 09/12/2025م أعلن المجلس الانتقالي إتمام سيطرته على وادي حضرموت ومحافظة المهرة المجاورة. ما جعل السعودية تعاود يوم الجمعة 12/12/2025م إرسال فريق ثان بمشاركة الإمارات إلى عدن لبحث وضع الترتيبات اللازمة مع المجلس الانتقالي لعودة قواته من حيث أتت، بعد تسليم المعسكرات لقوات درع الوطن، ومطالبة المجلس الالتزام بتوصيات مؤتمر الرياض 2019م.
إن عدم استجابة قوات المجلس الانتقالي لمغادرة مواقعها في وادي حضرموت، جعل الرياض تحشد في 20/12/2025م، 20 ألف جندي من قوات درع الوطن بالوديعة والعبر التابعة لمحافظة حضرموت، قابلتها تطمينات دعم أبو ظبي للمجلس الانتقالي.
ثم عادت الرياض ثانية في 25/12/2025م باستخدام القوة بقولها في البيان الصادر عن وزارة خارجيتها "مما قد يترتب عليه ما لا تحمد عقباه"، وثالثة في تصريح وزير الدفاع خالد بن سلمان يوم 27/12/2025م "حان الوقت للانتقالي لإخراج قواته من معسكرات حضرموت والمهرة"، ووضعت الرياض يوم 29/12/2025م حداً أقصى لعودة قوات الانتقالي من حيث أتت. وأدى حادثان منفصلان بطيران مسير إلى قتل وجرح عسكريين؛ أحدهما على قوات النخبة الحضرمية في وادي نَحِبْ، وآخر على جنود انتقاليين في خُشْم العَيْن، يُعتقد أنهما من تدبير الرياض.
وفي تطور مفاجئ أعلن رئيس المجلس الرئاسي الثماني الثلاثاء 30/12/2025م حالة الطوارئ في اليمن لمدة 90 يوماً، وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، مطالباً كل القوات الإماراتية بالخروج من اليمن خلال 24 ساعة. فيما قصف التحالف أسلحة وعربات قتالية بميناء المكلا بحضرموت، بعد وصولها على متن سفينتين قدمتا من الفجيرة. وطلب العليمي دخول قوات السعودية إلى حضرموت تحت لافتة حماية المدنيين. فيما انضم طارق عفاش وعبد الرحمن المحرمي وفرج البحسني إلى عيدروس الزُبيدي، وتريح العليمي كان بسبب الضغط السعودي الكبير عليه فكلما زاد ضغط السعودية عليه تحرك بريطانيا ذراعها الآخر المجلس الانتقالي.
وفي نظرة لتسلسل الأحداث السياسية خلال الشهر الماضي عقب دخول قوات المجلس الانتقالي لمحافظة حضرموت، أصدرت الرياض عبر وزارة خارجيتها يوم الخميس 25/12/2025م بياناً أشارت فيه "إلى أن التحركات العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة التي قام بها مؤخراً المجلس الانتقالي الجنوبي قد تمت بشكل أحادي دون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع قيادة التحالف". وذكر البيان "تعوّل على مبادرة المجلس الانتقالي الجنوبي بإنهاء التصعيد وخروج قواته بسلاسة وبشكل عاجل من محافظتي حضرموت والمهرة الشرقيتين".
وفي اليوم التالي ردت خارجية الإمارات ببيان ذكرت فيه "دورها في خدمة مصالح الشعب اليمني وتحقيق تطلعاته المشروعة نحو الاستقرار والازدهار". والتزامها "بدعم كل ما يسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية في اليمن، بما ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة وازدهارها". وتبعتها بيانات لكل من قطر وعُمان والكويت والبحرين.
إن تسلسل الأحداث التي بدأت يوم 18/11/2025م بزيارة وزير بريطانيا لمستعمرات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هيميش فالوكنر لعدن، وزيارة ابن سلمان لواشنطن، ثم في 21/11/2025م صدور قرار تسليم شركة جنة هنت لقطاع 5 النفطي بشبوة خلال أسبوع، وانطلاق عملية المستقبل الواعد في 26/11/2025م ودخول قوات عمرو بن حبريش العليي في 29/11/2025م حقول النفط بترومسيلة، لا تجعل مجالاً للشك في أن ترابطها جميعاً في أن موضوعها الرئيس هو السباق على النفط في شرق اليمن.
إن ما قام به المجلس الانتقالي من دخول قواته إلى محافظتي حضرموت والمهرة، يؤثر على خارطة الطريق المتفق عليها منذ العام 2023م، وجرى بحث ترتيبات لبدء جولة جديدة من المفاوضات بين صنعاء وعدن، بعد تأجيل فرضته عملية طوفان الأقصى. ويبعدها لفترة زمنية إضافية أخرى عن منح الحوثيين الحاضرين الغائبين عن الأحداث في محافظتي حضرموت والمهرة، نحو شرعية حكم صنعاء. لكنه يدفع جنوب اليمن إلى التشظي، وضياع أجزاء منه إلى خارج خريطة سايكس بيكو.
إن مشروع المجلس الانتقالي إحياء للصراع الاستعماري البريطاني الباسط على الأرض بأيدي الإمارات، والطامع الأمريكي بيد الرياض سلمان وابنه محمد، وهو لا شك يوقظ صراعات استعمارية سابقة كـ26 حزيران/يونيو 1978، وأحداث 13/01/1986م. ولن يبقى لأهل اليمن سوى حل وحيد، هو العودة ليكونوا كما كانوا بالأمس "أهل إيمان وحكمة وفقه".
أمريكا التي تظهر أن لا علاقة لها بأحداث حضرموت، وهي من قامت شركتها "بان أمريكان" بحفر بئر استكشافي نفطي في ثمود بحضرموت عام 1960م. وهي من تعمل اليوم للاستغناء عن مضيق هرمز وباب المندب، وتوجيه حركة تجارة النفط شرقاً إليها باتجاه المحيطين الهندي والهادي، بدل الطريق المعتاد عبر المحيط الأطلسي.
ماذا يعني ظهور وزير بريطاني بعد 58 عاماً من الاستقلال الشكلي؟!
تدور الأحداث في كل من حضرموت والمهرة المطلتين على بحر العرب، على مقربة من الصراع الدائر في البحر الأحمر، كما أن الرغبة في الاستحواذ على بحر العرب الذي يتصل باستحواذ أبو ظبي على جزيرة سقطرى، وجزيرتي ميون وزُقَر التابعة لليمن، والحضور الاستخباراتي لكيان يهود فيها. فقد كشف معهد أبحاث الأمن القومي اليهودي النقاب عن الأبعاد الحقيقية لسيطرة قوات المجلس الانتقالي على حضرموت والمحافظات الجنوبية. مع استعداد المجلس الانتقالي للتطبيع مع كيان يهود والانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مقابل الدعم السياسي والأمني لانفصال جنوب اليمن.
تقوم السعودية والإمارات بدور الوكيلين في تمزيق اليمن، وتظنان نفسيهما بمنأى أن تكونا ضحيتين لمثله! فتمزيق العراق واليمن يجعل نجداً والحجاز البلد الثالث على طريق التمزيق حيث وضعت فكرته مع انطلاق الحرب الصليبية على الإسلام والمسلمين عام 2001م. أما الإمارات الزاخرة بوافدين يعملون فيها بأعداد تفوق سكانها بتسع مرات، فقد وضعت نفسها عرضة لأخطار لا يمنعها عنها مضيها في خدمة السياسات الاستعمارية الغربية، ولا تقاربها الزائد مع كيان يهود!
الغريب أن حضرموت تقف مثل التائه الذي لا يرغب بالانضواء تحت سلطة صنعاء، ولا تحت سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي، لكن السعودية أيضاً تطمح في ضمها إليها كما ضمت إليها متصرفية عسير العثمانية من اليمن في أعقاب حرب 1934م.
إن مشكلة أهل حضرموت واليمن عامة، هي في تولي رعايتهم من لا يستحقون أن يكونوا رعاة، فهم ينخرطون على جانبي جبهة الصراع الدولي على اليمن. وقد جاء بهم أولئك الذين يخشون عودة الإسلام إلى الحياة في كيان سياسي يجمع المسلمين ويوحدهم. ويبقى أهل الصلاح والدين منهم بعيدين ليس لهم دور فاعل في المشهد السياسي، حتى يدخلوا معترك الحياة السياسية، ويعملوا لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.






















رأيك في الموضوع